ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

المعنى الجملي : بعد أن ذكر حال المغترين الذين أنكروا يوم الدين، وكذبوا بالبعث والنشور، أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعبدوا مع الله غيره من وثن أو صنم – أردف ذلك ذكر حال المتقين وما يتمتعون به من النعيم المقيم في جنات تجري من تحتها الأنهار، جزاء إحسانهم في أعمالهم، وقيامهم بالليل للصلاة، والاستغفار بالأسحار، وإنفاقهم أموالهم للفقراء والمساكين، ونظرهم في دلائل التوحيد التي في الآفاق والأنفس، وتفكيرهم في ملكوت السماوات والأرض مصدقين قوله تعالى : سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ( فصلت : ٥٣ ).
ثم أقسم برب السماء والأرض إن ما توعدون من البعث والجزاء حق لا شك فيه، كما لا شك في نطقكم حين تنطقون.
الإيضاح : ثم أقسم ربنا بعزته وجلاله إن البعث لحق فقال :
فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أقسم ربنا جلت قدرته بجلاله وكبريائه : إن ما وعدكم به من أمر القيامة والبعث والجزاء حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكون في نطقكم حين تنطقون، وهذا كما يقول الناس : إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال فيها : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا ).
عن الأصمعي قال : أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود فقال : ممن الرجل ؟ قلت : من بني أصمع، قال : من أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال : اتل علي فتلوت والذاريات فلما بلغت : وفي السماء رزقكم قال : حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالتفت فإذا بالأعرابي قد نحل واصفر فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال : وهل غير هذا ؟ فقرأت : فورب السماء والأرض إنه لحق فصاح وقال : يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه حتى حلف ( قالها ثلاثا ) وخرجت معها نفسه.
وإنما قصصت عليك هذا القصص لم فيه من أدب بارع وظرف وحسن فهم من ذلك الأعرابي لكتاب الله، ولك بعد ذلك أن تصدقه أو تتشكك فيه، فكم للأصمعي من مثله، فهو الأديب البارع، والراوية الحافظ، فلا يعجزه أن يصنعه ويصنع أمثاله.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير