ﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

" ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ".
الألفاظ والتراكيب :
( من كل شيء ) : من كل جنس من الأجناس. ( خلقنا ) : كونا.
( زوجين ) : فردان متباينان، يكمل أحدهما الآخر، في عالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد.
( تذكرون ) : تذكرون ما أودع في فطرتكم من المعرفة، لما تنظرون بعقولكم في عجائب الخلق ؛ فتدركون ما له جل جلاله من الألوهية والربوبية والوحدانية.
وقدم من كل شيء لأن الأشياء هي المستبدل بها ولبعث، الهمم على النظر فيها.
المعنى :
الزوجية في الأشياء :
إنا خلقنا الأشياء التي تشاهدونها على الزوجية والتركيب من شيئين متضادين، لتكونوا بحيث يرجى منكم أن تعلموا أن النقص والعجز عم المخلوقات كلها، لحاجة كل شيء منها إلى ضده وقصوره بنفسه.
فالقدرة والكمال للخالق وحده، فلا يستحق العبادة سواه، فاعبدوه ووحدوه.
توسع في التذكر :
النظر في الأزواج مفض للعلم بما ذكرنا، وللعلم بأن الخلق غير صادر عن طبيعة الأشياء : فإن النار – مثلا – لا يصدر عنها التبريد والتسخين ؛ لأن السبب لا ينتج الضدين.
فالمخلوقات كلها صادرة بطريق الخلق عن فاعل مختار.
وللعلم بوجوه كثيرة من إحاطة علمه، وشمول حكمته، وعموم نعمته.
حقيقة نفسية في نكتة بلاغية :
- إذا نظر العاقل في هذه الأزواج وفكر انكشفت له وجوه سر دلائل الربوبية والألوهية والتوحيد، وإذا حصل الانكشاف الأول تبعته انكشافات فإذا حصل منه التذكر أفضى به إلى تلك الوجوه الكثيرة ولهذا نزل الفعل منزلة اللازم لا يراد منه إلا حصول الحدث.
آية كونية في الآية القرآنية :
من الأزواج ما هو ظاهر مشاهد معلوم من قديم مثل السماء والأرض، والليل والنهار، والحر والبرد، والذكر والأنثى في الحيوان، وبعض النبات.
ومنها ما كشفه العلم بما مهد الله له من أسباب كالجزء الموجب والجزء السالب في القوة الكهربائية، وفي الذرة التي هي أصل التكوين، فلا فردية إلا لخالق هذه الأزواج كلها، الذي أنبأنا بها قبل أن تصل إلى تمام معرفتها العقول، فكان من معجزات القرآن العلمية التي يفسرها الزمان بتقدم الإنسان في العلم والعمران.
بلاغة التنويع والتنزيل :
لما كانت السماء متلاحمة الأجزاء في العلاء، ثابتة على حالة مستمرة في هذه الدنيا على البقاء، ناسبها لفظ البناء.
ولما كانت مظهر معظمة والجلال، ناسبها لفظ القوة١.
ولما كانت الأرض يطرأ عليها التبديل والتغيير بما ينقص البحر من أطرافها، وبما قد يتحول من سهولها وجبالها، وبما يتعاقب عليها من حرث وغراسة وخصب وجدب، ناسبها لفظ الفراش الذي يبسط ويطوى، ويبدل ويغير.
ولما كانت أسباب الانتفاع بها الميسرة ضرورية للحياة عليها وكلها مهيأة، وكثير منها مشاهد، وغيره معد يتوصل إليه بالبحث والاستنباط ناسب ذكر التمهيد.
ولما كانت الأزواج مكونا بعضها من بعض ناسبها لفظ الخلق.
ولما كان النظر في الزوجين هو نظر في أساس التكوين لتلك المذكورات السابقة، وهو محصل للعلم الذي يحصل من النظر فيها – قرن بلفظ التذكر.

١ المستفاد من قوله تعالى " بأيد "..

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير