ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞ ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰ

فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ في أية جنات وأى نعيم، بمعنى الكمال في الصفة. أو في جنات ونعيم مخصوصة بالمتقين خلقت لهم خاصة. وقرئ: فاكهين وفكهين وفاكهون: من نصبه حالا جعل الظرف مستقرا، ومن رفعه خبرا جعل الظرف لغوا، أى: متلذذين بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ. فإن قلت: علام عطف قوله وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ؟ قلت: على قوله فِي جَنَّاتٍ أو على آتاهُمْ رَبُّهُمْ على أن تجعل ما مصدرية، والمعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم عذاب الجحيم. ويجوز أن تكون الواو للحال وقد بعدها مضمرة. يقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا أكلا وشربا هَنِيئاً أو طعاما وشرابا هنيئا، وهو الذي لا تنغيص فيه. ويجوز أن يكون مثله في قوله:

هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزّة من أعراضنا ما استحلّت «١»
أعنى: صفة استعملت استعمال المصدر القائم مقام الفعل مرتفعا به ما استحلت كما يرتفع بالفعل» كأنه قيل: هناء عزة المستحل من أعراضنا، وكذلك معنى هَنِيئاً هاهنا: هناءكم الأكل والشرب.
أو هناءكم ما كنتم تعملون، أى: جزاء ما كنتم تعملون. والباء مزيدة كما في كَفى بِاللَّهِ والباء متعلقة بكلوا واشربوا إذا جعلت الفاعل الأكل والشرب. وقرئ: بعيس «٢» عين.
[سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)
(١).
يكلفها الخنزير شتمي وما بها هواني ولكن للمليك استذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة من أعراضنا ما استحلت
لكثير بن صخر صاحب عزة، كان ينشد أشعاره في حلقة البصرة، فمرت به مع زوجها فقال لها: لتغضبنه أو لأضربنك، فقالت: كذا وكذا بفم الشاعر، فقال ذلك. وقيل: خرجت تطلب سمنا فصادفها كثير فتحادثا، وسكب من أداوة معه في إنائها حتى بل ثوبها، وأنكر ذلك زوجها، فقصت عليه القصص، فأمرها بشتمه فقال ذلك. والمليك: مالك أمرها. وما بها هواني: أى ليست مريدة له. وهنيئا مريئا: صفتان مستعملتان استعمال المصدر النائب عن فعله، وما استحلت: مرفوع محلا بأحدهما على التنازع، وغير نصب على الحال. ومن أعراضنا بيان لما بعده. والهنيء والمريء: الذي لا تنغيص فيه، المحمود العاقبة، والمخامر: المخالط، وشبه عرضه بالشراب السائغ على طريق المكنية. وهنيئا مريئا: تخييل. ويجوز أن التجوز فيهما على طريق التصريحية.
(٢). قوله «وقرئ بعيس» في الصحاح: العيس- بالكسر-: الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها: أعيس، والأنثى: عيساء، ويقال: هي كرائم الإبل اه ولعله هنا استعارة للنساء. (ع)

صفحة رقم 410

وَالَّذِينَ آمَنُوا معطوف على بِحُورٍ عِينٍ أى قرناهم بالحور وبالذين آمنوا، أى:
بالرفقاء والجلساء منهم، كقوله تعالى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ فيتمتعون تارة بملاعبة الحور، وتارة بمؤانسة الإخوان المؤمنين وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقرّبهم «١» عينه» ثم تلا هذه الآية. فيجمع الله لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين، وباجتماع أولادهم ونسلهم بهم. ثم قال بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أى بسبب إيمان عظيم رفيع المحل، وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها، تفضلا عليهم وعلى آبائهم، لنتم سرورهم ونكمل نعيمهم. فإن قلت: ما معنى تنكير الايمان؟
قلت: معناه الدلالة على أنه إيمان خاص عظيم المنزلة. ويجوز أن يراد: إيمان الذرية الداني المحل:
كأنه قال: بشيء من الإيمان، لا يؤهلهم لدرجة الآباء ألحقناهم بهم. وقرئ: وأتبعتهم ذريتهم واتبعتهم ذريتهم. وذرياتهم: وقرئ: ذرياتهم، بكسر الذال. ووجه آخر: وهو أن يكون وَالَّذِينَ آمَنُوا مبتدأ خبره بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما بينهما اعتراض وَما أَلَتْناهُمْ وما نقصناهم.
يعنى: وفرنا عليهم جميع ما ذكرنا من الثواب والتفضل، وما نقصناهم من ثواب عملهم من شيء.
وقيل معناه: وما نقصناهم من ثوابهم شيئا نعطيه الأبناء حتى يلحقوا بهم، إنما ألحقناهم بهم على سبيل التفضل. قرئ: ألتناهم، وهو من بابين: من ألت يألت، ومن ألات يليت، كأمات يميت.
وآلتناهم، من آلت يؤلت، كآمن يؤمن. ولتناهم، من لات يليت. وولتناهم، من ولت يلت.
ومعناهنّ واحد كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ أى مرهون، كأن نفس العبد رهن عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فكها وخلصها، وإلا أوبقها وَأَمْدَدْناهُمْ وزدناهم في وقت بعد وقت يَتَنازَعُونَ يتعاطون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم كَأْساً خمرا لا لَغْوٌ فِيها في شربها وَلا تَأْثِيمٌ أى لا يتكلمون في أثناء الشرب بسقط الحديث وما لا طائل تحته كفعل المتنادمين في الدنيا على الشراب في سفههم وعربدتهم، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أى: ينسب إلى الإثم

(١). أخرجه البزار وابن عدى. وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه. والثعلبي من طريق قيس بن الربيع عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا. قال البزار تفرد قيس برفعه. ورواه الثوري موقوفا ورواه الحاكم والبيهقي في الاعتقاد والطبري وابن أبى حاتم من طريق الثوري عن عمرو بن مرة به موقوفا

صفحة رقم 411

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشريّ، جار الله، أبو القاسم

الناشر دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة الثالثة - 1407 ه
عدد الأجزاء 4
التصنيف التفسير
اللغة العربية