قوله تعالى : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى أن هي المخففة أيضاً ولم يفصل هنا بينها وبين الفعل لأنه لا يتصرف. ومحلها الجر(١) أو الرفع(٢)، أو النصب(٣) لعطفها على ( أن ) قبلها، وكذلك محل :«وَأَنَّ سَعْيَهُ ». و«يُرَى » مبني للمجهول، فيجوز أن تكون من البَصَرِية أي يُبْصَر، وأن تكون من العِلْميَّة فيكون الثاني محذوفاً(٤) أي يرى حاضراً. والأول أوضح.
وقال مكي(٥) : وأجاز الزجاج : يَرَى بفتح الياء على إضمار الهاء ؛ أي سَوْفَ يَرَاهُ(٦) ولم يُجِزْهُ الكوفيُّونَ لأن «سعيه » يصير قد عمل فيه أنّ، و«يَرَى ». وهو جائز عند المبرِّد وغيرِهِ ؛ لأنَّ دخولَ «أنّ » على «سَعْيَهُ » وعملها فيه، يدل على الهاء المحذوفة مِنْ «يُرَى » ؛ وعلى هذا جوز البصريون : إنَّ زيداً ضَرَبْتَ بغير هاء(٧).
قال شهاب الدين : وهو خلاف ضعيف توهموا أن الاسم توجه عليه عاملانِ مختلفان في الجنسية، لأن رأي بعضهم أن يعمل فِعْلاَنِ في معمول واحد، ومنه باب التنازع في بعض صوره، نحو : قَامَ وقَعَدَ زَيْدٌ وضَرَبْتُ وأكرمْتُ عَمْراً وأن يعمل عامل واحد في اسم وفي ضميره معاً نحو : زَيْداً ضَرَبْتُهُ في باب الاشتغال. وهذا توهم باطل ؛ لأنا نقول : سَعْيَهُ منصوب «بأَنَّ » و«يُرَى » متسلط على ضميره المقدر فظاهر هذا أنه لم يقرأ به(٨).
وقد حكى أبو البقاء أنه قرئ به(٩) شاذًّا، ولكه ضعفه من جهة أخرى فقال : وقرئ بفتح الياء، وهو ضعيف ؛ لأنه ليس فيه ضمير يعودُ على اسم أنَّ وهو السَّعْي والضمير الذي فيه الهاء فيبقى الاسم بغير خبر وهو كقولك : إنَّ غُلاَمَ زَيْدٍ قَامَ وأنت تعني قام زيد، فلا خبر «لغُلاَمٍ ».
وقد وُجِّه على أن التقدير سوف يَرَاهُ فتعود الهاء على السَّعي(١٠). وفيه بعد. انتهى(١١).
قال شهاب الدين : وليت شعري كيف توهم المانع المذكور وكيف نظّره بما ذكر ؟ ! ثم أي بعد في تقدير سوف يَرَى سَعْي نَفْسِهِ ؟ ! وكأنه اطلع على مذهب الكوفيين في المنع إلا أن المُدْرَكَ غير المُدْركِ(١٢).
قوله : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى أي عَمِل، كقوله : إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتّى [ الليل : ٤ ]. وهذا أيضاً في صُحُف إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. قال ابن عباس - ( رضي الله(١٣) عنهما ) - هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة بقوله : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : ٢١ ] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.
وقال عكرمة : كان ذلك لقَوم إبراهيم وموسى أما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لِمَا «رُوِيَ أن امرأةً رَفَعَتْ صبيًّا لها فقالت يا رسول الله : ألهذا حَجٌّ ؟ قال : نعم، ولكِ أجرٌ ».
«وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن أمّي قَتَلَتْ نفسها فهل لها أجر إن تصدّقت عنها ؟ قال : نعم »(١٤).
قال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تَيْمِيةَ : من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة :
أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير.
الثاني : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها، ثم لأهل الكبائر في الإخراج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير.
الثالث : أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير.
الرابع : أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير.
الخامس : أن الله يُخْرج من النار من لم يعمل خيراً قطّ بمَحْض رحمته. وهذا انتفاع بغير عملهم.
السادس : أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمَحْضِ عَمَل الغَيْرِ.
السابع : قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً . فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما.
الثامن : أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعِتْق بنصِّ السّنة والإجماع، وهو من عمل غيره.
التاسع : أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وَلِيِّه بِنَصِّ السُّنَّة وهو انتفاع بعمل الغير.
العاشر : أن الصوم المنذور والحجَّ المنذور يسقط عن الميت بعَمَلِ غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير الذي امتنع عليه الصلاة والسلام من الصلاة عليه حتى قضى دينَهُ أبو قَتَادَةَ، وقضى دَيْنَ الآخر عليُّ بن أبي طالب قد انتفع بصلاة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير.
الحادي عشر : أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمن صلَّى وحده :«ألا رجل يتصدق على هذا الرجل فيصلي معه فقد حصل له فضل الجماعة بفضل الغير ».
الثاني عشر : أن الإنسان تبرأ ذمته من ديوان الخَلْق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل غيره.
الثالث عشر : أن من عليه تبعاتٌ ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل غيره.
الرابع عشر : أن الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر، وهذا انتفاع بعمل الغير.
الخامس عشر : أن جليسَ أهلِ الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك بل لحاجةٍ عَرَضَتْ له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره.
السادس عشر : الصَّلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.
السابع عشر : أن الجُمعَة تحصل باجتماع العدد، وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعْضِ بالبَعْضِ.
الثامن عشر : أن الله قال لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وقال : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ وقال وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فقد دفع الله العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير.
التاسع عشر : أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره ممن الرجل ينفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له.
العشرون : أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له، ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فكيف يجوز أن يتناول الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة ؟ !.
والمراد بالإنسان العُمُوم.
وقال الربيع بن أنس : ليس للإنسان - يعني الكافر - وأما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. وقيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير.
ويروى : أن عبد الله بن أبي ( ابن سلول ) كان أعطى العَبَّاس قميصاً ألبسه إياه فلما مات أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه ليكفن فيه فلم يبق له حسنةٌ في الآخرة يُثَابُ عَلَيْهَا.
وقوله : وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى أي يرى في ميزانه يوم القيامة من أَرَيْتُهُ الشيءَ أي يعرض عليه ويكشف له(١٥).
فإن قيل : العمل كيف يرى بعد وُجوده ومُضِيِّه ؟ !.
فالجواب من وجهين :
أحدهما : يرى على صورة جميلة إن كان العملُ صالحاً.
الثاني : قال ابن الخطيب : وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كلّ موجود يَرَى الله والله قادر على إعادة كل ما عُدِمَ فبعد الفعل فيرى. ووجه آخر وهو أن ذلك مجاز عن الثواب كقولك :«سترى إحسانك » أي جزاءه. وفيه نظر ؛ لقوله بعد ذلك : ثُمَّ يُجْزَاهُ الجزاء الأوفى (١٦).
٢ فـ "أن لا تزر" يجوز فيها أن تكون خبر مبتدأ محذوف..
٣ فجملة "أن لا تزر" يجوز أن تكون منصوبة بأعني مقدرا. وقد سبق كل هذا عن قرب والبدل المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه جرا ونصبا ورفعا مفردا أو جملة محلا..
٤ والأول هو نائب الفاعل. وقد قال بالإعراب مكي في مشكل إعراب القرآن ٢/٣٣٣..
٥ المرجع السابق..
٦ قال: معناه فهو يعلم. والرؤية على ضربين؛ أحدهما: (رأيت) أبصرت والآخر علمت كما تقول: "... رأيت زيدا أخاك..... " معاني القرآن ٥/٧٥..
٧ انظر مشكل الإعراب السابق ٢/٣٣٣..
٨ ولم أعثر عليه قراءة في كتب القراءات الشاذة أو المتواترة..
٩ ولم يحدد من قرأ بذلك. فلم أجد من قرأ به كما قلت..
١٠ وهو رأي السمين السابق..
١١ قاله في التبيان به ١١٩٠..
١٢ الدر المصون له مخطوط بمكتبة الإسكندرية لوحة رقم ١١١..
١٣ زيادة من أ..
١٤ وانظر البغوي والخازن ٦/٢٦٨ و٢٦٩..
١٥ وانظر تفسير العلامتين البغوي والخازن في لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/٢٦٨ و٢٦٩..
١٦ بالمعنى من الرازي ١٥/١٧..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود