ﰂﰃﰄﰅﰆﰇ

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أي إلا سعيه يعني كما لا يؤخذ أحد بذنب غيره لا يثاب بفعل غيره أيضا عطف على أن لا تزر كلا الحكمين كانا في صحف إبراهيم وموسى ومستدلا بهذه الآية قال الشافعي لا يثاب أحد بعمل غيره وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد وجمهور الخلف والسلف بخلاف ذلك فقال ابن عباس الآية منسوخة بقوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ١ وقال عكرمة أنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى فأما ما هذه الأمة فلها ما سعت وما سعى لها، وقال الربيع ابن أنس المراد بالإنسان هاهنا الكافر وهذا ليس بشيء فإن الكافر لا يثاب بعمل نفسه أيضا حيث قال الله تعالى : حبطت أعمالهم ٢ وقيل اللام هاهنا بمعنى على أي ليس على الإنسان إلا ما سعى وعلى ما هذا بكون عطف لا تزر وازرة وزر أخرى عطفا تفسيريا. احتج الجمهور على وصول الثواب من غيره بالأحاديث والإجماع أما الأحاديث فمنها حديث أبي سعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( إذا قبض الله روح عبده المؤمن صعد ملكان إلى السماء قالا ربنا وكلتنا بعبدك المؤمن نكتب عمله وقد قبضته إليك فأذن لنا أن نسكن الأرض فيقول أرضي مملوءة من خلقي يسبحون ولكن قوما على قبر عبدي فسبحاني وهللاني وكبراني إلى يوم القيامة واكتباه لعبدي ) أخرجه أبو نعيم وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له )٣
رواه مسلم كما أخرج أحمد عن أبي أمامة وجه الاحتجاج بهذا الحديث أن الصدقة الجارية وعلم ينتفع به وإن كانا من سعيه ولكن دعاء الولد ليس من عمله وهو ينفق وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول يا رب أني لي هذه فيقول باستغفار ولدك لك ) رواه الطبراني وروى نحوه عن أبي سعيد مرفوعا وحديث ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم :( ما الميت في قبره إلا شبه الغريق المتفوث ينتظر دعوة ملحقة من أب وأم أو ولد أو صديق فإذا ألحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها وإن الله ليدخل على القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال وإن هدية الأحياء إلى الأموات الاستغفار لهم ) رواه البيهقي والديلمي وحديث مرفوعا ( أمتي مرحومة تدخل قبورها بذنوبها وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها يمحص عنها باستغفار المؤمنين لها.
رواه الطبراني في الأوسط قال السيوطي وقد نقل غير واحد الإجماع على أن الدعاء ينفع الميت ودليله من القرآن قوله تعالى : والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ٤ قلت : والظاهر أن انتفاع الأموات والأحياء بدعاء الأحياء غير مختصة بهذه الأمة وقد قال نوح عليه السلام رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ٥ وقال إبراهيم عليه السلام سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ٦ وقال يوسف لإخواتهم : قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ٧ قال أخوة يوسف لأبيهم : قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ٩٧ قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم ٩٨ ٨ وقال موسى : رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ٩ فانظر أن المراد بقوله تعالى : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى المذكور في صحف إبراهيم وموسى أنه لا يصل لا لأحد ثواب حسنات غيره من الصلاة والصوم والصدقة والحج ونحو ذلك ويكون من خصوصيات هذه الأمة المرحومة نسخ ذلك الحكم بقوله ألحقنا بهم ذريتهم من الأحاديث حديث عائشة أن رجلا قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها لم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم }١٠ متفق عليه وحديث ابن عباس ( أن سعد ابن عبادة توفيت أمه وهو غائب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب فهل ينفعها إن تصدقت عنها ؟ قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي صدقة عنها ) رواه البخاري وأخرج أحمد وأربعة عن سعد ابن عبادة أنه قال يا رسول الله إن أمي ماتت فأي صدقة أفضل قال الماء فحفر بئرا فقال هذه لأم سعد، وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أنس نحوه وحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إذا تصدق أحدكم بصدقة تطوعا فليجعلها عن أبويه فيكون لهما أجرها ولا ينقص من أجره شيئا ) وأخرج الديلمي نحوه من حديث معاوية ابن جندة وحديث أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( كما من أهل بيت يموت منهم فيتصدقون عنه بعد موته إلا أهدأ له جبرائيل على طبق من نور ثم يقف على شفير القبر فيقول يا صاحب القبر العميق هذه هدية أهداها إليك أهلك فأقبلها فيدخل عليه فيفرح بها ويستبشر ويحزن جيرانه الذين لا يهدي إليهم شيء ) رواه الطبراني في الأوسط وحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حج عن والديه بعد وفاتهما كتب الله لهما عتقا من النار وكان للمحجوج أجر حجة تامة من غير أن ينقص من أجورهما شيء ) وقال صلى الله عليه وسلم :( ما وصل ذو رحم رحمه بأفضل من حجة يدخلها عليه بعد موته في قبره ) رواه البيهقي والأصبهاني بسند فيه مجهولان، وعن زيد ابن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم ( من حج عن أبويه ولم يحجا فيرى عنهما وبشرت أرواحهما في السماء وكتب عند ) أخرجه أبو عبد الله الثقفي وحديث عقبة ابن عامر أن امرأة جاءت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أحج عن أمي وقد ماتت قال :( أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته قالت بلى فأمرها أن تحج ) رواه الطبراني وحديث أنس قال جاء على النبي صلى الله عليه وسلم قال :( إن أبي مات ولم يحج حجة الإسلام فقال أرأيت لو كان على أبيك دين كنت تقضيه عنه ؟ قال نعم قال :( فإنه دين عليه فأقضيه رواه البزار والطبراني بسند حسن وحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حج عن ميت فللذي حج عنه مثل أجره ) رواه الطبراني في أوسط وحديث عطاء وزيد ابن اسلم مرسلا قال جاء رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أعتق عن أبي وقد مات قال نعم ) رواهما ابن أبي شيبة وحديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن شبرمة قال أخ لي أو قريب قال أحججت عن نفسك ؟ قال لا، قال :( حج عن نفسك ثم عن شبرمة )١١ رواه أبو داوود وابن ماجه والدار قطني والبيهقي وقال البيهقي إسناده صحيح وحديث عمرو ابن العاص أنه قال يا رسول الله إن العاص أوصى أن يعتق عنه بأمه نسمة فأعتق هشام منها خمسين قال لا إنما يتصدق ويحج ويعتق عن المسلم وكان مسلما بلغه ) رواه أبو الشيخ وحديث الحجاج ابن دينار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من البر بعد البر أن تصلي عنهما مع صلواتك وتصوم عنهما مع صيامك وتصدق عنهما مع صدقتك ) رواه ابن أبي شيبة وقد مر حديث بريدة أن امرأة قالت يا رسول الله إن كان على أمي صوم شهرين أفيجزئ أن أصوم عنها قال نعم قالت فإن أمي لم تحج قط أفيجزئ أن أحج عنها ؟ قال نعم ) رواه مسلم وحديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من مات وعليه صيام صام عنه وليه )١٢ متفق عليه وحديث علي رضي الله عنه مرفوعا :( من مر على المقابر وقرأ قل هو الله أحد أحد عشرة مرة ووهب أجره للأموات أعطى من الأجر بعدد الأموات ) رواه أبو محمد السمرقندي وحديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد وألهكم التكاثر ثم قال إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله ) رواه أبو القاسم سعد ابن علي وحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( من دخل المقبر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات ) أخرجه عبد العزيز صاحب الخلال بسنده وقال السيوطي قد ورد قراءة الفاتحة عند رأس الميت وخواتيم البقر عند رجله من حديث ابن عمر مرفوعا وقت الدفن وفواتح البقرة وخواتمها عن حديث العلاء ابن اللجلاح مرفوعا وقال القرطبي في حديث ( اقرأوا على موتاكم يس ) فقال الجمهور في حال موته قال ابن عبد الواحد المقدسي عند القبور وقال المحب الطبري في الحالتين وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال يتبع بعد موته العتق والحج والصدقة وأخرج عن أبي جعفر أن الحسن والحسين كان يعتقان عن علي بعد موته وأخرج ابن سعد عن القاسم ابن محمد عن عائشة أعتقت عن أخيها عبد الرحمان رقيقا من تلاده.
ترجوا أن ينفعه بذلك بعد موته وقال الحافظ شمس الدين ابن عبد الواحد ما زالوا في كل مصر يجتمعون ويقرؤون لموتاهم من غير نكير فكان ذلك إجماعا وأخرج الخلالي عن الشعبي كانت الأنصار إذا مات لهم الميت اختلفوا إلى قبره يقرؤون القرآن، وفي الإحياء عن أحمد ابن حنبل قال إذا دخلتم المقابر فاقرؤوا بفاتحة الكتاب والمعوذتين وقل هو الله أحد واجعلوا ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم وقال البيضاوي في توجيه الآية إنه ما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت فلأن التأدي له كالنائب عنه وقال بعض العلماء في توجيهها إن انتفاع المؤمن بسعي غير مبني على إيمانه وهو سعي نفسه فكان سعيب غيره تابعا لسعي نفسه قائما بقيامه والله تعالى أعلم

١ ورةالطور الآية ٢١.
٢ ورة البقرة الآية: ٢١٧٤.
٣ خرجه مسلم في كتاب الوصية باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته {١٦٣١).
٤ ورة الحشر الآية ١٠.
٥ ورة نوح الآية ٢٨:.
٦ ورة مريم الآية ٤٧.
٧ ورة يوسف الآية ٩٢.
٨ ورة يوسف الآية ٩٧ ٩٨.
٩ ورة الأعراف الآية ١٥١.
١٠ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز باب موت الفجأة البغتة (١٣٨٨) وأخرجه مسلم في كتاب الوصية باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت (١٠٠٤).
١١ أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك باب: الرجل يحج عن غيره {١٨١٠) وأخرجه ابن ماجه في كتاب المناسك باب: الحج عن الميت.
١٢ أخرجه البخاري في كتاب: الصوم باب: من مات وعليه صوم {١٩٥٢) وأخرجه مسلم في كتاب: الصيام باب: قضاء الصيام عن الميت {١١٤٧)..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير