المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه علمه وقدرته، وأن الجزاء واقع على الإساءة والإحسان، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم، وهذا لا يعرف إلا بالوحي من الله تعالى.
ذكر هنا أن من العجب العاجب بعد هذا أن يسمع سامع، ويرجو عاقل أن غيره يقوم مقامه في تحمل وزره ويعطيه جعلا، لكنه ما أعطاه إلا قليلا حتى وقف عن العطاء، ومن ثم وبخه على ذلك، بأن علم هذا لا يكون إلا بوحي، فهل علم منه صحة ما اعتقد ؟ كلا فجميع الشرائع المعروفة لكم كشريعة موسى وإبراهيم على غير هذا، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، فمن أين وصل له أن ذلك مجز له.
قال مجاهد وابن زيد : إن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس إليه ووعظه فلان قلبه للإسلام فطمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين وقال له : أتترك ملة آبائك ؟ ارجع إلى دينك، وأثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شيء تخافه في الآخرة لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما هم به من الإسلام، وضل ضلالا بعيدا، وأعطى بعض المال لذلك الرجل ثم أمسك عنه وشح.
وقد ذكر سبحانه ما تضمنته صحف إبراهيم وموسى :
ألا يؤاخذ امرؤ بذنب غيره.
ألا يثاب امرؤ إلا بعمله.
إن العامل يرى عمله في ميزانه، خيرا كان أو شرا.
إنه يجازي عليه الجزاء الأوفى فتضاعف له حسناته إلى سبعمائة ضعف، ويجازى بمثل سيئاته.
إن الخلائق كلهم راجعون يوم المعاد إلى ربهم، ومجازون بأعمالهم.
إنه تعالى خلق الضحك والبكاء والفرح والحزن.
إنه سبحانه خلق الذكر والأنثى من نطفة تصب في الأرحام.
إنه تعالى خلق الموت والحياة.
إنه هو الذي أعطى الغنى والفقر، وكلاهما بيده وتحت قبضته.
إنه هو رب الشعرى، وكانت خزاعة تعبدها.
إنه أهلك عادا الأولى، وقد كانوا أول الأمم هلاكا بعد قوم نوح.
إنه أهلك ثمود فما أبقاهم، بل أخذهم بذنوبهم.
إنه أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود، وقد كانوا أظلم من الفريقين.
إنه أهلك المؤتفكة وهي قرى قوم لوط وقد انقلبت بأهلها، وغطاها بحجارة من سجيل.
الإيضاح : ٢ ) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أي كما لا يحمل على الإنسان وزر غيره، لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب لنفسه، ومن هذا استنبط مالك والشافعي ومن تبعهما أن القراءة لا يصح إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، وهكذا جميع العبادات البدنية كالصلاة والحج والتلاوة، ومن ثم لم يندب إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليها ولا أرشدهم إليها بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، أما الصدقة فإنها تقبل ؛ وما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم :( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية من بعده، وعلم ينتفع به )فهي في الحقيقة من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث :( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه )والصدقة الجارية كالوقف ونحوه على أعمال البر، هي من آثار عمله، وقد قال تعالى : إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم الآية( يس : ١٢ )، والعلم الذي نشره في الناس فاقتدوا به واتبعوه – هو من سعيه، فقد ثبت في الصحيح :( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا ).
ومذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء أن ثواب القراءة يصل إلى الموتى إن لم تكن القراءة بأجر، أما إذا كانت به كما يفعله الناس اليوم من إعطاء الأجر للحفاظ للقراءة على المقابر وغيرها – فلا يصل إلى الميت ثوابها، إذ لا ثواب لها حتى يصل إليهم، لحرمة أخذ الأجر على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه.
تفسير المراغي
المراغي