ﰅﰆﰇﰈﰉ

وَ (بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) إِضْرَابٌ عَنْ مَا أنكروه بقَوْلهمْ: أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا أَي لم ينزل الذّكر عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ فِيمَا ادَّعَاهُ، بطر متكبر.
و (الأشر) بِكَسْرِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: اسْمُ فَاعِلِ أَشِرَ، إِذَا فَرِحَ وَبَطَرَ، وَالْمَعْنَى:
هُوَ مُعْجَبٌ بِنَفْسِهِ مُدَّعٍ مَا لَيْسَ فِيهِ.
[٢٦]
[سُورَة الْقَمَر (٥٤) : آيَة ٢٦]
سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ تَقْدِيرُهُ: قُلْنَا لِنَذِيرِهِمُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ [الْقَمَر: ٢٣] فَإِنَّ النُّذُرَ تَقْتَضِي نَذِيرًا بِهَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ [الْقَمَر: ٢٧] وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ آنِفًا: فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [الْقَمَر: ٢٥] كَلَامٌ أَجَابُوا بِهِ نِذَارَةَ صَالِحٍ إِيَّاهُمُ الْمُقَدَّرَةَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ
بِالنُّذُرِ
[الْقَمَر: ٢٣]، وَبِذَلِكَ انْتَظَمَ الْكَلَامُ أَتَمَّ انْتِظَامٍ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ سَيَعْلَمُونَ بِيَاءِ الْغَيْبَةِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ سَتَعْلَمُونَ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا حِكَايَةَ كَلَامٍ مِنَ اللَّهِ لِصَالِحٍ عَلَى تَقْدِيرِ: قُلْنَا لَهُ: قُلْ لَهُمْ، فَفِيهِ حَذْفُ قَوْلٍ. وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِتَقْدِيرِ: قُلْنَا لَهُمْ سَتَعْلَمُونَ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى جَعْلِ الْجُمْلَةِ مُعْتَرِضَةً.
وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: غَداً الزَّمَنُ الْمُسْتَقْبَلُ الْقَرِيبُ كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ: إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ غَدًا، أَيْ إِنَّ مَعَ الزَّمَنِ الْحَاضِرِ زَمَنًا مُسْتَقْبَلًا. يُقَالُ فِي تَسْلِيَةِ النَّفْسِ مِنْ ظُلْمِ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ:

وَقَبْلَ غَدٍ يَا وَيْحَ قَلْبِي مِنْ غَدٍ إِذَا رَاحَ أَصْحَابِي وَلَسْتُ بِرَائِحِ
يُرِيدُ يَوْمَ مَوْتِهِ.
وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ يَوْمُ نُزُولِ عَذَابِهِمُ الْمُسْتَقْرَبِ.
وَتَبْيِينُهُ فِي قَوْله: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ [الْقَمَر: ٢٧] إِلَخْ، أَيْ حِينَ يَرَوْنَ الْمُعْجِزَةَ

صفحة رقم 198

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية