نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٢:قوله تعالى : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام .
معنى «مقصورات » : أي : محبوسات ومنه القصر ؛ لأنه يحبس من فيه.
ومنه قول النحاة :«المقصور »، لأنه حبس عن المد، وحبس عن الإعراب أو حبس الإعراب فيه، والنساء تمدح بملازمتهن البيوت(١) كما قال قيس بن الأسلت :[ الطويل ]
ويقال : امرأة مقصورة وقصيرة، وقصورة بمعنى واحد. وتَكْسَلُ عَنْ جِيرَانِهَا فَيَزُرنهَا وتغْفُلُ عَنْ أبْيَاتِهِنَّ فتُعْذَرُ(٢)
قال كثير عزة فيه :[ الطويل ]
و«الخيام » : جمع «خَيْمة »، وهي تكون من ثُمام وسائر الحشيش، فإن كانت من شعر، فلا يقال لها : خيمة، بل بيت. وأنْتِ الَّتِي حبَّبْتِ كُلَّ قصيرةٍ إليَّ، ولَمْ تَعْلَمْ بذاكَ القَصَائِرُ عَنَيْتُ قِصاراتِ الحِجَالِ ولمْ أردْ قِصَارَ الخُطَا، شرُّ النِّساءِ البَحاتِرُ(٣)
قال جرير :[ الوافر ]مَتَى كَانَ الخِيَامُ بِذِي طُلُوحٍ سُقيتِ الغَيْثَ أيَّتُهَا الخِيَامُ(٤)
فصل في أن جمال الحور يفوق الآدميات
اختلفوا أيهما أكثر حسناً وأتم جمالاً الحور أو الآدميات.
فقيل : الحور لما ذكر من صفتهن في القرآن والسُّنة، ولقوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة الجنائز :«وأبْدِلْ لَهُ دَاراً خَيْراً مِنْ داره، وأبْدِلْ لَهُ زَوْجاً خَيْراً من زَوْجِه »(٥).
وقيل : الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف، روي ذلك مرفوعاً.
وقيل : إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج النَّبيِّين والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة. قاله الحسن البصري.
والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، إنما هن مخلوقات في الجنة ؛ لأن الله تعالى قال : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات.
فصل في جمال الحور العين
«الحور » : جمع حوراء وهي الشديدة بياض العين مع سوادها.
و«المقصورات » : المحبوسات المستورات في الخيام، وهي الحجال، لسن بالطَّوافات في الطرق، قاله ابن عباس.
وقال عمر رضي الله عنه :«الخيمة » : درّة مجوفة(٦). وقاله ابن عباس.
وقال : وهي فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب(٧).
قال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في قوله تعالى : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام : بلغنا في الرواية أن سحابة أمطرت من العرش، فخلقن من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلاً وليس لها باب، حتى إذا دخل وليّ الله الجنة انصدعت الخيمة عن باب ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم تأخذها، فهي مقصُورة قد قصر بها عن أبصار المخلوقين.
وقال مجاهد : قصرن أطرافهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبتغين بدلاً(٨).
وقال عليه الصلاة والسلام :«لوْ أنَّ امْرأةً مِنْ نساءِ أهْلِ الجنَّة اطَّلعَتْ على أهْلِ الأرْضِ لأضاءَتْ ما بينَهُما، ولمَلأتْ ما بَيْنهُمَا ريحاً »(٩).
وتقدَّم الكلام على قوله تعالى : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ .
٢ في الديوان: ويكر منها جارتها مكان وتكسل من جيرانها.
ينظر ديوانه ص ٧٢، والبحر ٨/١٩٧، والدر المصون ٦/٢٤٩..
٣ ينظر ديوانه ص ٣٦٩، والأشباه والنظائر ٥/١٨٠، وإصلاح المنطق ص ١٨٤، وجمهرة اللغة ص ٧٤٣، والدرر ١/٢٨٢، وابن يعيش ٦/٣٧، ومعاني القرآن للفراء ٣/١٢٠، وأسرار العربية ص ٤١، وهمع الهوامع ١/٨٦؛ والمعاني الكبير ص ٥٠٥، واللسان (فقر)، والقرطبي ١٧/١٢٣، والبحر ٨/١٨٥، والدر المصون ٦/٢٤٩..
٤ ينظر ديوانه ص ٢٧٨، والأغاني ٢/١٧٩، وجمهرة اللغة ص ٥٥٠، والجني الداني ص ١٧٤، وخزانة الأدب ٩/١٢١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٣٤٩، وشرح شواهد المغني ١/٣١١، ٢/٧٨٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٦١٧، وشرح المفصل ٩/٧٨، والكتاب ٤/٢٠٦، ومعجم ما استعجم ص ٨٩٣، والمقاصد النحوية ٢/٤٦٩، وجواهر الأدب ١٦٤، وسر صناعة الإعراب ١/٤٧٩، ٤٨٠، ٤٨١، وشرح الأشموني ٣/٧٦٢، ولسان العرب (روى) و(قوا)، ومغني اللبيب ٢/٣٦٨، والمنصف ١/٢٢٤، والدر المصون ٦/٢٤٩، والبحر ٨/١٨٥..
٥ تقدم..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦١٦)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ تقدم..
٩ أخرجه البخاري (٦/١٩) كتاب الجهاد والسير، باب: الحور العين وصفتهن حديث (٢٧٩٦). والترمذي (١٦٠٥) من حديث أنس..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود