ودواء يعنى بحسب حال الدنيا وإلا فالكل في الجنة للتفكه ومن هذا قال ابو حنيفة رحمه الله من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا او رطبا لم يحنث خلافا لصاحبيه يعنى ان أبا حنيفة لا يجعلهما من الفاكهة بخلاف صاحبيه وغيرهما فلا يحنث من حلف أن لا يأكل فاكهة فأكل تمرا او رمانا عنده وكذا الحكم عنده في العنب من جعلهما من الفاكهة حملهما على التحصيص بذكرهما بيانا لفضلهما كما مر آنفا وقد سبق بيان النخل مفصلا قال ابن عباس رضى الله عنهما نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر وكربها ذهب احمر وسعفها كسوة لاهل الجنة منها مقطعاتهم وحللهم وتمرها أمثال القلال او الدلاء أشد بياضا من اللبن واحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم كلما نزعت ثمرة عادت مكانها اخرى وأنهارها تجرى في غير حدود والرمان من الأشجار التي لا تقوى الا بالبلاد الحارة (روى) عن ابن عباس رضى الله عنهما ما لقحت رمانة قبل إلا بحبة من الجنة وقال الامام على رضى الله عنه إذا أكلتم الرمان فكلوه ببعض شحمه فانه دباغ للمعدة وما من حبة منه تقيم في جوف مؤمن الا أنارت قلبه وأخرجت شيطان الوسوسة منه أربعين يوما وفي الحديث (من أكل رمانا أنار الله قلبه أربعين يوما) ولا يخفى ما فى جمع الرمان مع أنار من اللطافة وأجوده الكبار الحلو المليس وهو حار رطب يلين الصدر والحلق ويجلوا لمعدة وينفع من الخفقان ويزيد في الباءة وقشره تهرب منه الهوام وفي التأويلات النجمية يشير الى ضعف استعداد اصحاب اليمين بالنسبة الى المقربين لان الرمان للدواء لا للتفكه وتهيئة الدواء في البيت تدل على ضعف مزاج ساكن البيت فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ حيث هيأ لكم ما به تتلذذون من الفواكه فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ صفة اخرى لجنتان كالجملة التي قبلها والكلام في جمع الضمير كالذى مر فيما مر وخيرات مخففة من خيرات جمع خيرة لان خير الذي بمعنى أخير لا يجمع فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات ومعناها بالفارسية زنان برگزيده وقيل في تفسير الخيرات اى لسن بدمرات ولا بخرات الدمر النتن والبخر بالتحريك النتن في الفم والإبط وغيرهما ولا متطلعات التطلع چشم داشتن وقولهم عافى الله من لم يتطلع في فمك اى لم يتعقب كلامك (ولا متشوفات) التصوف خويشتن آراستن و چشم داشتن ويعدى بالى وفي القاموس شفته شوفا جلوته وشيفت الجارية تشاف زينت وتشوف تزين والى الخير تطلع ومن السطح تطاول ونظر وأشرف (رلاذربات) يقال ذرب كفرح ذربا وذرابة فهو ذرب حد والذربة بالكسر السليطة اللسان (ولا سليطات) السلط والسليط الشديد والطويل اللسان (ولا طنماحات) يقال طمح بصره اليه كمنع ارتفع والمرأة طمحت فهى طامح وككتاب النشوز (ولا طوافات في الطرق) اى دوارت (حسان) جمع حسنة وحسناء اى حسان الخلق والخلق يعنى نيكو رويان ونيكو خويان وهن من الحور وقيل من المؤمنات الخيرات ويدل على الاول ما بعد الآية وفي الحديث (لو أن امرأة من نساء اهل الجنة اطلعت على السموات والأرض لاصاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا ولعصابتها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) وروى لو أن حوراء بزقت في بحر لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها
صفحة رقم 312
(وروى انهن يقلن نحن الناعمات فلا نبأس) يعنى ماييم با نعمت كه درويش نمى شويم (الراضيات فلا تسخط) يعنى ماييم راضى كه غضب نمى كنيم (نحن الخالدات فلا نببد) يعنى ماييم جاويد كه هلاك نمى شويم (طوبى لمن كناله وكان لنا) وفي الأثر إذا قلن هذه المقالة اجابتهن المؤمنات من نساء الدنيا نحن المصليات وما صليتن ونحن الصائمات وما صمتن ونحن المتصدقات وما تصدقتن فغلبنهن والله غلبنهن وفيه بيان ان هاتين الجنتين دون الأوليين لانه تعالى قال في الأوليين في صفة الحور العين كأنهن الياقوت والمرجان وفي الأخريين فيهن خيرات حسان وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان قال في التأويلات النجمية فيهن خيرات حسان من المعاملات الفاضلات والمكاشفات العاليات وهذا الوصف ايضا يدل على ان جنة المقربين أفضل من جنة الأبرار واصحاب اليمين لان ثمرة تلك الجنة الفناء والبقاء وثمرة هذه الجنة المعاملات وتحسين الأخلاق فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وقد أنعم عليكم بما به تستمعون من النساء حُورٌ بدل من خيرات جمع حوراء وهى البيضاء ووصفت في غير هذه الآية بالعين وهى جمع عيناء بمعنى عظيمة العين وقال بعضهم شديدة سواد العين يعنى سياه چشمان اند مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ قصرن في خدورهن وحبسن (قال الكاشفى) از چشمهاى بيكانكان نكاه داشته ودر خيمها بداشته وفيه اشارة الى انهن لا يظهرن لغير المحارم وان لم تكن الجنة دار التكليف وذلك لانهن من قبيل الإسرار وهى تصان عن الأغيار غيرة عليها يقال امرأة قصيرة وقصورة اى مخدرة مستورة لا تخرج ومقصورات الطرف على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا والاخيام جمع خيمة وهى القبة المضروبة على الأعواد هكذا جمع خيام الدنيا وهى لا تشبه خيام الجنة الا بالاسم فانه قد قيل ان الخيمة من خيامهن درة مجوفة عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها اهلون ما يرون الا حين يطوف عليهم المؤمنون وقال ابن مسعود لكل زوجة خيمة طولها ستون ميلا وكفته اند مراد خانهاست يعنى مستورات في الحجال وحجله خانه بود براى داماد وعروس قال في القاموس الحجلة محركة كالقبة موضع يزين بالثياب والستور للعروس والجمع حجل وحجال قال البقلى رحمه الله وصف الله جوارى جنانه التي خلقهن لخدمة أوليائه وألبسهن لباس نوره وأجلسهن على سرير أنسه في حجال قدسه وضرب عليهن خيام الدر والياقوت ينتظرن أزواجهن من العارفين والمؤمنين المتقين لا يصرفن أبصارهن في انتظار هن عن مسلك الأولياء من أزواجهن الى غيره وفي الآية اشارة الى ان الأسماء تنقسم بالقسمة الاولى قسمين بعضها كونية اى لها مظاهر في الكون وبعضها غير كونية اى ليس لها مظاهر في الكون بل هى من المستأثرات الغيبية كما جاء في دعاء النبي عليه السلام اللهم انى اسألك بكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك او علمته أحدا او استأثرت به في علم غيبك المكنون وقوله حور مقصورات يعنى ان من خصائص هاتين الجنتين ان فيهما معانى وحقائق ما ظهرت مظاهرها في هذا العالم بل بعد في خيام الغيب المكنون في جنة السر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وقد خلق من النعم ما هى مقصورة ومحبوسة لكم لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
صفحة رقم 313روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء