قوله : أَلاَّ تَطْغَواْ ، في «أنْ » هذه وجهان١ :
أحدهما : أنها الناصبة، و«لا » بعدها نافية، و«تطغوا » منصوب ب «أن »، و«أن » قبلها لام العلة مقدّرة تتعلق بقوله :«ووضَعَ المِيزانَ »، التقدير :«لئلاَّ تَطغَوا »، كقوله تعالى : يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ [ النساء : ١٧٦ ].
وأجاز الزمخشري٢ وابن عطية٣ : أن تكون المفسرة، وعلى هذا تكون «لا » ناهية، والفعل مجزوم بها.
قال القرطبي : فلا يكون ل «أنْ » موضع من الإعراب، فتكون بمعنى «أي »، و«تطغوا » مجزوم بها كقوله : وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا [ ص : ٦ ]، أي :«امْشُوا ».
إلا أن أبا حيان رد هذا القول بأن شرط التفسيرية تقدم جملة متضمنة لمعنى القول، وليست موجودة٤.
قال شهاب الدين٥ :«وإلى كونها مفسرة٦ ذهب مكي، وأبو البقاء٧، إلا أن أبا البقاء كأنه تنبه للاعتراض، فقال :«وأن - بمعنى أي - والقول مقدر ».
فجعل الشيء المفسر ب «أن » مقدراً لا ملفوظاً به، إلا أنه قد يقال إن قوله «والقول مقدر » ليس بجيّد ؛ لأنها لا تفسر القول الصريح، فكيف يقدر ما لا يصحّ تفسيره، فإصلاحه أن يقول : وما هو بمعنى القول مقدر ».
فصل في الطغيان في الميزان
والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال : الميزان العدل، قال : الطغيان الجور ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به، قال : طغيانه النّجس٨.
قال ابن عباس : لا تخونوا من وزنتم له٩.
وعنه أيضاً أنه قال : يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس : المكيال والميزان.
ومن قال : إنه طغيان١٠ الحكم، قال : طغيانه التحريف.
وقيل : فيه إضمار، أي : وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه.
فإن قيل١١ : العلم لا شك في كونه نعمة، وأما الميزان فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد بسببها في الآلاء ؟.
فالجواب : أن النفوس تأبى الغَبْنَ، ولا يرضى أحد بأن يغلبه غيره، ولو في الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به، فلا يترك خَصْمه يغلبه، ثم إن عند عدم المعيار الذي به تُؤخذ الحقوق، كل أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه، فوضع الله - تعالى - معياراً بين به التَّساوي، ولا يقع به البغضاء بين الناس، وهو الميزان، فهو نعمة كاملة، ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته، وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء الذي لا يبين فضلهما إلاَّ عند فقدهما.
٢ الكشاف ٤/٤٤٤..
٣ المحرر الوجيز ٥/٢٢٥، والبحر المحيط ٨/١٨٨، والدر المصون ٦/٢٣٧..
٤ ينظر: البحر المحيط ٨/١٨٨..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٢٣٧..
٦ ينظر: المشكل ٢/٧٠٤..
٧ ينظر التبيان ١١٧٩..
٨ ينظر: القرطبي ١٧/١٠١..
٩ ذكره الطبري في "تفسيره" (١١/٥٥٧)..
١٠ في ب: طغيانه..
١١ ينظر: الرازي ٢٩/٨٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود