ويقال معناه تندمون وكذلك تفكنون (١) وهي لغة لعكل (٢).
قال اللحياني: أزد شنوءه يقولون: تفكهون، وتميم تقول: تفكنون. وقال ابن الأعرابي: تفكهت وتفكنت أي تندمت وأنشد لرؤبة فقال (٣):
| أما جزاء العارف المستيقن | عندك إلا حاجة التفكَّن |
٦٦ - قوله تعالي: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال الزجاج وغيره: أي وتقولون: إنا لمغرمون فحذف القول، ومعنى المغرم الذي ذهب ماله بغير عوض (٦).
قال أبو إسحاق: يقولون إنا قد غرمنا وذهب زرعنا (٧) يعني: غرمنا
(٢) عُكَل بطن من طابخة من العدنانية، وعكل اسم امرأة حضنت بني عوف بن وائل فغلبت عليهم وسموا باسمها، من قراهم الشقراء والأشيقر. انظر: "معجم قبائل العرب" ٢/ ٨٠٤، و (تفكنون) قرأ بها أبو حزام. انظر: "الكشاف" ٤/ ٦٠، و"البحر المحيط" ٨/ ٢١١، و"روح المعاني" ٢٧/ ١٤٨.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ١٠/ ٢٨٠، و"اللسان" ٢/ ١١٢١ (فكن).
والبيت في "ديوانه" ص ١٦١، المراجع السابقة.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" نفسه، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٧، و"فتح القدير" ٥/ ١٥٧.
(٥) قاله مجاهد، وفسر ابن كيسان التفكه بالحزن. انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٧، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢١٩، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٢٩٦.
(٦) قاله الضحاك وابن كيسان. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٠، و"فتح القدير" ٥/ ١٥٧.
(٧) انظر: "معاني الزجاج" ٥/ ١١٤.
الحب الذي بذرناه فذهب في غير عوض هذا الذي ذكرنا هو الأصل.
قال أبو عبيدة والفراء: لمعذبون (١)، وهو قول ابن عباس وقتادة (٢)، وهذا معنى كأنهم ذهبوا إلى أنهم عذبوا بذهاب أموالهم.
وقال عكرمة ومجاهد ومقاتل: لمولع بنا (٣)، والمعنى لمولع بنا الشر من قولهم: أغرم فلان بفلانة إذا أولع بها، ومنه الغرام وهو الشر اللازم وقد تقدم تفسيره (٤). ويدل على القول الأول (٥) قوله تعالى: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أي حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع.
وما بعد هذا ظاهر ومفسر فيما تقدم إلى قوله: الَّتِي تُورُونَ قال الكسائي: أوْرَيْتُ النار وقد ورَتْ ووَرِيَتْ (٦).
وقال أبو إسحاق: ورَى الزَّندُ يَرِيَ فهو وارٍ إذا انقدحت منه النار، وأوريت النار إذا قدحتها (٧)، وقال الكلبي والمبرد: أورى القادح إذا أتى بالنار. قال الأعشى (٨):
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣٣٩، و"جامع البيان" ٢٧/ ١١٥، وهو اختيار ابن جرير.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٩ أ، و"جامع البيان" ٢٧/ ١١٥.
(٤) عند تفسيره الآية (٦٥) من سورة الفرقان. ومما قال: والغَرامُ: اللازمُ من العذاب، والشرُّ الدائم، والبلاءُ والحبُّ والعشق وما لا يستطاع أن يتفصَّى منه، ويروى أن الغريم إنما سمي غريمًا لأنه يطلب حقه ويلح حتى يقتضيه، فمعنى غرامًا ملحًا دائمًا. وانظر: "اللسان" ٢/ ٩٨١ (غرم).
(٥) وهو قول الضحاك وابن كيسان والزجاج.
(٦) انظر: "اللسان" ٣/ ٩١٦ (وري).
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١١٥.
(٨) "ديوانه" ص ٨٤، وروايته: =
| ولو بتَّ تقدحُ في ظلمةٍ | صفاةً بنبعٍ لأوريت نارا |
قوله تعالى: (شَجَرَتَهَا) قال المفسرون: يعني التي تقدح منها وهي المرخ والعفار (٤).
قال المبرد: وهما شجرتان يوريان النار وهما رطبان، ولذلك قال الأعشى (٥):
| وزندك خير زناد الملوك | صادف منهنَّ مرخًا عفارًا |
قوله تعالى: نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً قال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن (٧).
| = ولو رُمت في ليلة قادحًا | حصاة بنبع لأوْريت نارا |
(٢) انظر:"تنوير المقباس" ٥/ ٣٣٩.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٩ أ.
(٤) قال الأزهري: وهما شجرتان فيهما نار ليس في غيرهما من الشجر، ويسوّى من أغصانهما الزناد فيقتدح بها. "تهذيب اللغة" ٢/ ٣٥١ (عفر).
(٥) الديوان ص ٨٤، وروايته:
| زنادك خير زناد الملوك | خالط منهن مرخ عفارا |
(٦) انظر: "اللسان" ٣/ ٤٦٣ (مرخ) ونسب تفسير المثل لابن الأعرابي.
(٧) انظر: "الوسيط" ٤/ ٢٣٨، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٨، و"فتح القدير" ٥/ ١٥٨.
وقال الكلبي: عظة في الدنيا من نار جهنم (١)، وقال عكرمة، ومجاهد ومقاتل: جعلنا هذه النار تذكرة للنار الكبرى (٢).
قال أبو إسحاق: أي إذا رآها الرائي ذكر جهنم وما يخافه من العذاب فذكر الله عز وجل واستجار به منها (٣).
قوله تعالى: وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ قال الفراء، والزجاج: المقوي الذي ينزل بالقواء وهي الأرض الخالية (٤)، وكل من نزل بها من مسافر مار أو مقيم بها فهو مقو.
قال الليث: أقوَى القومُ إذا وقعوا في قيً من الأرض (٥).
قال ابن عباس: يريد ينتفع بها أهل البوادي والأسفار (٦).
وقال الكلبي: منفعة للمسافرين النازلين في الأرض القيّ (٧).
وقال مقاتل: يقول: ومنافع لمن كان بأرض في ومنهم الأعراب (٨)، ونحو هذا قال الحسن والضحاك (٩). وعلى هذا القول خص المسافر بالانتفاع بها؛ لأن منفعته بها أكثر من منفعة المقيم، وذلك أن أهل البوادي
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٥١، و"تفسير مقاتل" ١٣٩ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٨.
(٣) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١١٥.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٢٩، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١١٥.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٦٩ (قوى).
(٦) انظر: "تنوير المقباس" ٥/ ٣٤٠، و"الوسيط" ٤/ ٢٣٨.
(٧) انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٨، و"فتح القدير" ٥/ ١٥٨.
(٨) انظر: "تفسير مقاتل" ١٣٩ أ.
(٩) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ١١٦، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢١.
لابد (١) لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السباع، وفي كثير من حوائجهم.
وقال أبو عبيدة: المقوي الذي لا زاد معه ولا مال، وهذا من قولهم أقوت الدار، أي: خلت (٢)، فالمقوي الخالي من الزاد. وهذا قول الربيع، والسدي. قالا: يعني المرملين المقترين الذين لا زاد معهم فهؤلاء يوقدون النار ويشتون بها لحوم الصيد ولابد لهم منها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس (٣).
وفي المقوين قول ثالث، وهو قول عكرمة، ومجاهد، قالا: للمقوين أي للمستمتعين بها من الناس أجمعين (٤) المسافرين والحاضرين يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز (٥).
وعلى هذا المقوي من الأضداد. ويقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، وللغني: مقو لقوته على ما يريد، يقال أقوى الرجل إذا صار إلى حالة القوة، ذكر ذلك قطرب وغيره (٦). والمعنى ومتاعًا للأغنياء والفقراء وذلك
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٥٢.
(٣) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٢.
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٥١، و"جامع البيان" ٢٧/ ١١٦.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٢.
قال ابن كثير في "تفسيره" ٤/ ٢٩٧: وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الجميع محتاجون إليها للطبخ، والاصطلاء، والإضاءة، وغير ذلك من المنافع.
(٦) انظر: "الأضداد" لقطرب ص ٩٢، و"الأضداد" للأصمعي والسجستاني ٤، ١٢٤، ٢٧٩، ٦٣٨، و"معالم التنزيل" ٤/ ٢٨٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٧/ ٢٢٢، ورواه ثعلب عن ابن الأعرابي. انظر: "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٦٩ (قوى).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي