الآية ٧٠ وأخبر أنه لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون مالحا يهلك١ الأنفس، ولا تقوم به٢. وكذلك قوله : لو نشاء لجعلناه حطاما [ الآية : ٦٥ ] حتى يخرج من أن يكون، غذاء فيه لكن بفضله ورحمته أبقى لهم ذلك أغذية وأشربة. ولذلك قال في آخره فلولا تشكرون أي هلا تشكرون [ ما ]٣ أنعم عليكم ؟
ثم هذه الآيات دلالة نقض قول المعتزلة في أفعال العباد حين٤ قال : أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون [ الآيتان : ٥٨ و٥٩ ] والإمناء، هو فعل العبد ؛ إذ هو دفق المني. ثم أخبر أنه خالق ذلك حين٥ قال : أأنتم تخلقونه وكذلك الحراثة والزراعة فعل العباد، وأخبر أنه خالق ذلك. وفي٦ قوله تعالى : لو نشاء لجعلناه حطاما [ الآية : ٦٥ ] وقوله : لو نشاء جعلناه أجاجا نقض قولهم في الأصلح.
فإنه يقال لهم : إن قوله لو نشاء فجعله كذا، ثم لم يفعل ذلك، فقد ترك الأصلح، أو يكون الأصلح لهم في ابقاء ذلك، فيصير كأنه قال : لو شاء لجعل ما هو حق وعدل جورا، ولا يجوز أن يقال : إن الله تعالى لو شاء أن يجور لجار. فعلى أي الوجهين حمل كان في ذلك نقض مذهبهم.
وفي قوله تعالى : نحن قدرنا بينكم الموت [ الآية : ٦٠ ] نقض قولهم في أن المقتول لم يمت بأجله، لأن الله تعالى أخبر أنه قدّر الموت بينهم، وعندهم أن من قتل لم يمت بما قدر الله تعالى، ولم يمت بأجله، وقد أخبر أنه هو قدّر ذلك، وأنه لا يسبق في ذلك لقوله : وما نحن بمسبوقين .
ولو كان على ما تقوله المعتزلة : يموت قبل أجله فقد قالوا : إنه لم يقدر له الموت، وإن القاتل قد سبقه، ومنعه عن وفاء ما جعل له من الأجل والبلوغ إلى ذلك الأجل الذي جعل له، وكذبه في خبره أنه يبلغ إلى ذلك الأجل، والله الموفق.
ثم قوله تعالى : أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون اختلف في تأويل المزن :
قال عامة أهل التأويل والأدب : المزن هو السحاب. وقال أبو بكر الأصم : المزن، هو الماء العذب فعلى قوله يكون حرف من صلة ؛ كأنه قال : أأنتم أنزلتم المزن ؟.
والظاهر ما ذهب إليه أولئك أنه ينزل من السحاب، والله أعلم.
٢ في الأصل و م: له.
٣ من، م ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل و م: حيث.
٥ في الأصل و م: حيث.
٦ الواو ساقطة من الأصل و م..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم