قال ابن جرير : حدثني إسماعيل بن موسى١، أخبرنا شريك، عن حكيم - هو ابن جبير - عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ قال : الكتاب الذي في السماء.
وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس : [ لا يَمَسُّهُ ] إِلا الْمُطَهَّرُونَ ٢ يعني : الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، وسعيد بن جُبَيْر، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ قال : لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس. وقال : وهي في قراءة ابن مسعود : مَا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ .
وقال أبو العالية : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ ليس أنتم أصحاب الذنوب.
وقال ابن زيد : زَعَمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال : وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشعراء : ٢١٠ - ٢١٢ ].
وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله.
وقال الفراء : لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به.
وقال آخرون : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ أي : من الجنابة والحدث. قالوا : ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب، قالوا : والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو٣. واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم : أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم : ألا يمس القرآن إلا طاهر٤. وروى أبو داود في المراسيل، من حديث الزهري قال : قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ولا يمس القرآن إلا طاهر " ٥.
وهذه وِجَادةٌ جيدة. قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي٦ الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر٧، والله أعلم.
٢ - (٤) زيادة من م..
٣ - (١) صحيح مسلم برقم (١٨٦٩) وهو أيضا في صحيح البخاري برقم (٢٩٩٠)..
٤ - (٢) الموطأ (١/١٩٩)..
٥ - (٣) المراسيل برقم (٢٥٧)..
٦ - (٤) في أ: "لا ينبغي"..
٧ - (٥) سنن الدار قطني (١/١٢، ١٢٢)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة