لا يَمَسَّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ تأويله يختلف بإختلاف الكتاب، فإن قيل : إنه كتاب في السماء ففي تأويله قولان :
أحدهما : لا يمسه في السماء إلا الملائكة المطهرون، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.
الثاني : لا ينزله إلا الرسل من الملائكة إلى الرسل من الأنبياء، قاله زيد بن أسلم.
وإن قيل إنه المصحف الذي في أيدينا ففي تأويله ستة أقاويل :
أحدها : لا يمسه بيده إلا المطهرون من الشرك، قاله الكلبي.
الثاني : إلا المطهرون من الذنوب والخطايا، قاله الربيع بن أنس.
الثالث : إلا المطهرون من الأحداث١والأنجاس، قاله قتادة.
الرابع : لا يجد طعم نفعه٢ إلا المطهرون أي المؤمنون بالقرآن، حكاه الفراء.
الخامس : لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
السادس : لا يلتمسه إلا المؤمنون، قاله ابن بحر.
أفبهذا الحديث أنتم مدهنون يعني بهذا الحديث القرآن الذي لا يمسه إلا المطهرون.
وفي قوله مدهنون أربعة تأويلات :( أحدها ) مكذبون، قاله ابن عباس ( الثاني ) معرضون، قاله الضحاك. ( الثالث ) ممائلون٣ الكفار على الكفر به، قاله مجاهد. ( الرابع ) منافقون في التصديق به حكاه ابن عيسى، ومنه قول الشاعر :
لبعض الغشم٤ أبلغ في أمور تنوبك من مداهنة العدو
وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنه الاستسقاء بالأنواء وهو قول العرب مطرنا بنوء كذا، قاله ابن عباس ورواه علي بن طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني : الاكتساب بالسحر، قاله عكرمة.
الثالث : هو أن يجعلوا شكر الله على ما رزقهم تكذيب رسله والكفر به، فيكون الرزق الشكر، وقد روى عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : وتجلعون شكركم أنكم تكذبون.
ويحتمل ( رابعا ) أنه ما يأخذه الأتباع من الرؤساء على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والصد عنه.
٢ وكأن المعنى لا يلمس نفعه إلا هؤلاء لأن إيمانهم يجعل القرآن يمس نفوسهم ويؤثر فيها..
٣ وعلى هذا التأويل يكون مدهنون من المداهنة وهي الممالاة.
٤ الغشم: الظلم والغصب..
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود