لا يمسه إلا المطهرون قيل الضمير في لا يمسه راجع إلى الكتاب لقربه فالمعنى لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية الباعثة غالبا على المعاصي وهي الملائكة وهذا القول غير مرضي فإن الانسلاخ من الكدورات الجسمانية ليس من فضائل ولا يعد تطهيرا وإلا يلزم فضل الملائكة على البشر وهو خلاف الإجماع بل الكدورات الجسمانية هي الحاملة للتجليات الذاتية الصرفة ولذلك اختص النبوة بالبشر فالقول الصحيح أن الضمير راجع إلى القرآن فالمعنى لا يمس القرآن إلا المطهرون من الأحداث فيكون بمعنى النهي والمراد بالقرآن فالمصحف سمي قرآنا على قرب الجوار مجانا كما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو١ متفق عليه من حديث ابن عمر، والمراد به المصحف وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجوز مس المصحف للجنب والحائض ولا النفسا ولا لمحدث خلافا لداود محتجا بحديث أبي سفيان أنه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا إلى هرقل وكان فيه يا أهل الكتاب تعالوا الآسية ولا شك أن الكافر نجس قلنا : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العبارة من قبل نفسه امتثالا لأمر الله تعالى لا من حيث أنه كلام الله تعالى ومن ثم حذف لفظه قل من صدر الآية ولو كان كتب من حيث أنه كلام الله لما حذف لفظة قل بل لا يجوز له حذفها كما لا يجوز حذفها في الصلاة والتلاوة ولنا حديث عمر وابن جزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان فيه لا يمس القرآن إلا طاهر رواه الدارقطني والحاكم في المعرفة والبيهقي في الخلافيات وروي الطبراني من حديث حكيم ابن حزام قال : لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر تفرد به سويد ابن حاتم وهو ضعيف وحسن الحار في إسناده وفي الباب عن ابن عمر مرفوعا رواه الدارقطني والطبراني وإسناده لا بأس به.
مسألة
يجوز مس القرآن وحمله بغلاف متجاف عند أبي حنيفة وقال مالك والشافعي لا يجوز مع الغلاف أيضا لأنه قال الله تعالى : إنه لقرآن كريم ٧٧ وقال الله تعالى : في مصحف مكرمة ٢ ومن التكريم أن لا يمسه غير الطاهر ولو كان عليه غلاف قلنا التكريم أثبت حرمة المس والمس لا يطلق إلا إذا كان بلا حجاب وستر وإنما التكريم ما ثبت بالشرع والزائد عليه تكلف.
مسألة
يكره مسه بالكم أو الذيل لأنهما تابعان لليد لا يجوز مس درهم فيه سورة الإبصرة لأن المصحف ما كتب عليه القرآن.
مسألة
ويثبت بهذه الآية بدلالة النص أعني بالطريق الأولى عدم جواز قراءة القرآن للجنب وعليه انعقد الإجماع فإن المصحف وهو القرطاس الذي كتب عليه نقوش وضع إلا على لسان المطهرين والحائض والنفساء كالخبث عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد لما ذكرنا عن مالك روايتان إحداهما أنها تقرأ الآيات اليسيرة والتي نقلها الأكثرون من أصحابه أنها تقرأ ما شاءت وهو مذهب داوود هو محجوج بما ذكرنا وبحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن ٣ رواه الدارقطني والترمذي وابن ماجه وفي إسناده إسماعيل ابن عياش وهو ضعيف وقيل إنه قوي وتابعه مغيرة ابن عبد الرحمان وأبو معشر ابن موسى ابن عقبة قال ابن الجوزي مغيرة أيضا ضعيف وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني أخطأ ابن الجوزي أن ضعف مغيرة ابن عبد الرحمان وهو ثقة لكن في طريق مغيرة عبد الملك ابن مسلم ضعيف وأما طريق أبو متهم وأبو معشر ففيه متهم وأبو معشر ضعيف وله شاهد من حديث جابر رواه الدارقطني مرفوعا وفيه محمد ابن الفضل متروك.
مسألة
كان القياس عدم جواز قراءة القرآن للمحدث أيضا لما ذكر لكن الاستحسان يقتضي جواز القراءة للمحدث لأن الحدث لا يسري في الفم ولذلك لم يجب المضمضة في الوضوء بخلاف الجنابة ويدل على جواز القراءة للمحدث حديث ابن عباس أنه بات ليلة عند ميمونة وهي خالته قال فاضطجعت في عرض ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله قليلا أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشرة الآيات الخواتيم من سورة آل عمران ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منها٤ الحديث متفق عليه وحديث علي ابن أبي طالب لم يكن يحجب النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن سوى الجنابة رواه أحمد وابن خزيمة وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم وابن الجار وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة.
مسألة
قال البغوي وروى محمد ابن الفضل عن الكلبي في تفسير الآية قال لا يقرأ إلا الموحدون قلت الموحد في اصطلاح الصوفية من لا يكون له مقصود غير الله سبحانه وقال المجدد ما هو مقصود لك فهو معبود لك فإن المرء يتحمل كل ذل وانكسار ومشقة لتحصيل مقصوده، وذلك هو التعبد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ) به رواه النووي في أربعينه، وقال عكرمة كان ابن عباس رضي الله عنه ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن وقال الفراء معنى الآية لا يجد طعم القرآن نفعه إلا من آمن به من هاهنا قال المجدد الألف الثاني إن الصوفي لا يجد بركات القرآن إلا بعد فنائه نفسه وتطهر من الرذائل وأما قبل الفناء فقراءة القرآن له داخل في عمل الأبرار وبعد فناء النفس وزوالها عينها وأثرها فمراتب القرب إلى الله سبحانه منوط بتلاوة القرآن وكذا في الآخرة بعد دخول الجنة يرتقي ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ٥ وقال رسول الله صلى الله عليه سلم :( يقال صاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر أية تقرأها ) ٦ رواه أحمد والترمذي وأبي داود والنسائي من حديث عبد الله ابن عمر
٢ سورة عبس الآية: ١٣.
٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة باب: ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا يقرآن القرآن ١٣١}.
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء باب: التخفيف في الوضوء ١٣٨ وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه ٧٦٣.
٥ سورة الحجر الآية: ٤٧.
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن ٢٩١٤}.
التفسير المظهري
المظهري