وقال مقاتل: مستور من خلقه عند الله في اللوح المحفوظ (١).
وقال أبو إسحاق: أي مصون في السماء (٢).
وقال مجاهد: في كتاب مكنون لا يصيبه تراب، ولا غبار (٣).
٧٩ - قوله: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ أكثر المفسرين على أن الكناية في قوله (لا يمسه) تعود إلى الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ.
والمطهرون هم الملائكة، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وباذان، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والضحاك، والكلبي، وقتادة، ومقاتل (٤)، قالوا: المطهرون الملائكة طهروا من الشرك والذنوب والأحداث والنجاسات، فالذي في السماء لا يمسه إلا المطهرون، وأما كتابنا فيمسه الطاهر وغير الطاهر، وهو اختيار الفراء والزجاج، قالا: لا يمس ذلك اللوح المحفوظ إلا الملائكة (٥).
والمعنى على هذا القول أن النسخة التي في السماء من القرآن مكنون مصون لا يصل إليه أحد، ولا يمسه إلا الملائكة الذين وصفوا بالطهارة، ومذهب الفقهاء (٦) في هذه الآية أن الضمير في قوله: (لَّا يَمَسُّهُ) يعود إلى
(٢) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١١٥.
(٣) انظر: "جامع البيان" ٢٧/ ١١٨.
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٥٢، و"تفسير مقاتل" ١٣٩ ب، و"تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٧٣، و"جامع البيان" ٢٧/ ١١٨ - ١١٩.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٣٠، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١١٦.
(٦) قال الجصاص: (إن حمل اللفظ - أي قوله تعالى لَا يَمَسُّهُ على حقيقة الخبر =
القرآن، والمراد بالقرآن المصحف لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو" (١). يعني المصحف، والمراد بقوله: (الْمُطَهَّرُونَ) أي من الأحداث والجنابات، وقالوا: قوله: (لا يَمَسُّهُ) خبر في معنى النهي ومنعوا بهذه الآية الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وإن كان بعلاّقة أو في غلاف، وهذا قول محمد بن علي، وعطاء، وطاووس، وسالم، والقاسم، وعبد الرحمن بن الأسود، وإبراهيم، وسفيان، ومذهب مالك، والشافعي (٢).
(١) الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ٤/ ٦٨، ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار ٣/ ١٤٩٠، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الجهاد، باب: في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ٢/ ٤٩٥، وأحمد في "المسند" ٢/ ٦ ولفظ البخاري: "... عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو".
(٢) قال ابن قدامة: (ولا يمس المصحف إلا طاهر، يعني طاهرًا من الحدثين جميعًا. روى عن ابن عمر والحسن وعطاء وطاوس...) ولا نعلم مخالفًا لهم إلا داود، أي الظاهري، قال: ويجوز حمله بعلاقته، وهذا قول أبي حنيفة، وروى ذلك عن الحسن، وعطاء، وطاوس، والشعبي، والقاسم، وأبي وائل، والحكم، وحماد. ومنع منه الأوزاعي، ومالك، والشافعي.
انظر: "المدونة" ١/ ١٠٧، و"المغني" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، و"المحلى" ١/ ٨١ - ٨٤. قلت: وبهذا يتبين أن الواحدي -رحمه الله- عمم القول بمنع حمله بعلاقة مع أن منهم من جوز ذلك والله أعلم.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي