ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

وما لكم ألا تنفقوا وأي فائدة لكم يعني لا فائدة لكم في عدم الإنفاق في سبيل الله أي فيما يكون قربة إليه تعالى ولله ميراث السماوات والأرض يعني والحال أن الله يرث كل شيء فيها ولا يبقى لأحد مال وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث أنه يستخلف عوضا يبقى وهو الثواب أولى وترك الإنفاق وجمع الأموال حتى ينتفع بها غيركم لا يفيدكم أصلا عن عائشة أنهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها يعني بعد الإنفاق قالت ما بقي منها إلا كتفا قال بقي كلها غير كتفها ١ رواه الترمذي وصححه وعن ابن مسعود قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال : ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر }٢ رواه البخاري والنسائي لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح أي فتح مكة في قول أكثر المفسرين قال الشعبي هو صلح الحديبية وقاتل قبله حلا يستوي افتعال بمعنى التفاعل وفاعله من أنفق مع ما عطف عليه المحذوف يعني لا يستوي من أنفق قبل الفتح وقاتل قبله ومن أنفق بعد الفتح قاتل بعده أولئك الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا فيه أعظم درجة عند الله ثوابا وتقربا من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا حينئذ قال البغوي روى محمد ابن فضل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله.
وروى البغوي بسند في تفسيره المعالم عن ابن عمر قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أب بكر الصديق رضي الله عنه وعليه عباءة فدخلنا في صدرها بخلال فنزل عليه جبرائيل فقال مالي أرى أبا بكر عليه عباءة فدخلها فغي صدرها بخلال فقال أنفق ماله علي قبل الفتح قال فإن الله عز وجل يقول إقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال أبو بكر أسخط على ربي وإني عن ربي راض وكذا روى الواحدي في تفسيره قلت : هذه الآية بمنطوقه تدل على أفضلية السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على من آمن بعد الفتح وأنفق حينئذ وبهمومه وسياقه يدل على أفضلية الصديق على سائر الصحابة وأفضلية الصحابة على سائر الناس فإن مدار الفضل على السبقة في الإسلام والإنفاق والجهاد كما يدل عليه قوله عليه الصلاة السلام ( من سن حسنة فأجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء ) ٣ وقد أجمع العلماء على أن أبا بكر أول من أسلم وأظهر إسلامه على يده أشراف قريش وأول من أنفق الأموال العظام في سبيل الله وأول من احتمل الشدائد من الكفار ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه ما خلا أبي بكر عندنا يد يكافيه الله تعالى بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر } ٤ رواه الترمذي من حديث أبي هريرة وعن ابن الزبير عن أبيه قال أسلم أب بكر وله أربعون ألفا أنفقها كلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله رواه أبو عمر وروى البخاري في حديث طويل ثم يدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي ويقرأ القرآن وروى البخاري أن عقبة ابن معيط لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جعل رداءه في عنقه وخنقه فاطلع أبي بكر فدفع عنه وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات٥ وروى أبو عمر نحوه وزاد فاخذ الكفار أبا بكر فضربوه ضربا شديدا فلما رجع أبو بكر إلى داره فكان كلما وضع يده على شعره سقط شعره مع يده ويقول تباركت يا ذا الجلال، وروى أبو عمرو في الاستيعاب إنه أعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في الله منهم بلال وعامر ابن فهيرة، وقال أب إسحاق إنه لما أسلم أبو بكر أظهر سلامه ودعى الناس إلى الله عز وجل وإلى رسوله وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه مجيبا سهلا فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه فأسلم بدعائه فبما بلغني عثمان ابن عفان رئيس بني عبد الشمس وزبير العوام رئيس بني أسد وسعد ابن أبي وقاص وعبد الرحمان ابن عوف رئيسا لبني زهرة وطلحة ابن عبد الله رئيس بني تميم فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له وأسلموا وصلوا وانكسر شوكة قبائل قريش بإسلامهم قال أبو الحسن الأشعري تفضيل أبي بكر على غيره من الصحابة قطعي قلت قد أجمع عليه السلف وما حكى عن ابن عبد البر أن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلي فهو شيء غريب انفرد به عن غيره ممن هو أجل منه علما واطلاعا منهم الشافعي وقد ذكرنا أدلة تفضيل الشيخين نقلا وعقلا في السيف المسلول وله مواقف رفيعة في الإسلام كثباته على كمال تصديقه ليلة الإسراء وجوابه للكفار في ذلك وهجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك عياله وأطفاله وملازمته له في الغار وسائر الطريق وكلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخير دخول مكة وثباته مع كمال حزنه في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبه الناس وتسكينهم ثم قيامه في قصة البيعة لمصالح المسلمين واهتمامه في بعث جيش أسامة وقيامه في قتال أهل الردة وتجهيزه الجيوش إلى العراق والشام وآخر مناقبه أنه فوض الخلافة إلى عمر رضي الله عنه وكلا قرأ ابن عامر بالرفع والباقون بالنصب أي كل واحد من الفريقين من الصحابة الذين أنفقوا قبل الفتح والذين أنفقوا بعده وعد الله الحسنى لا يحل الطعن في أحد منهم ولا بد حمل مشاجراتهم على محمل حسنة وأغراض صحيحة أو خطأ في الاجتهاد وأيضا يدل صدر الآية على أفضلية الصحابة على من بعدهم بسبقهم في الإسلام والإنفاق والجهاد وروى الشيخان في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه )٦ والله بما تعملون خبير عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر فيجازي كلا على حسبه

١ أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع ٢٤٧٠}.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: ما قدم من ماله فهو له ٦٤٤٢ وأخرجه النسائي في كتاب: الوصايا باب: الكراهية في تأخير الوصية ٣٦٠٥.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلة طيبة وأنها حجاب من النار ١٠١٧}.
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب ٣٦٧٠}.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: تفسير سورة المؤمن غافر ٤٨١٥}.
٦ أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أثحاب النبي صلى الله عليه وسلم ٣٦٧٣ باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا وأخرجه مسلم ف كتاب: فضائل الصحابة باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنه ٢٥٤٠.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير