ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎ

ثم وبَّخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله : آمِنوا و أنفِقوا فقال : وما لكم ألاَّ تُنفقوا في سبيل الله أي : أيّ شيء حصل لكم في ألاّ تنفقوا فيما هو قُربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عيّنه من المصارف ؟ ولله ميراثُ السماوات والأرض يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأيّ عذر لكم في ترك إنفاقه في سبيل الله والله مُهلككم، فوارث أموالكم ؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في " لله " لزيادة التقرير، وتربية المهابة.
ثم بيّن التفاوت بين المنفِقين منهم باعتبار الزمان، فقال : لا يستوي منكم مَن أنفق مِن قبل الفتح وقاتلَ مع مَن أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله : أولئك أعظم درجة. . . الخ، والمراد : فتح مكة، أي : لا يستوي مَن أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع مَن أنفق بعد ذلك، أولئك الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم :" لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، ولا نِصفه " ١، فهم أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلَوا لأنّ مَن أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، وكُلاًّ أي : كل واحد من الفريقين وَعَدَ اللّهُ الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي : وعده الله الحسنى، والله بما تعملون خبير فيُجازيكم على قدر أعمالكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أَمَرَ الحقُّ تعالى مشايخَ التربية، والعلماءَ الأتقياء، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدّم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو مِن ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير : سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بُحْبُوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي : تُجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسولُ يدعوكم لتُجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدّده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي يُنزِّل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، يَنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليُخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعِفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله.
وما لكم ألاَّ تنفقوا مُهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمَن بذلها عوّضه دوام الشهود، ومَن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم مَن أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع مَن أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعواناً، والمتأخرون وجدوا أعواناً، وكُلاًّ وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنةَ المعارف. والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه مَن تقدم ممن تأخر. من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً ، قال القشيري : هو أن يُقرض وينقطع عن قلبه حُبّ الدارين، ففي الخبر :" خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً " ١. هـ. فيضاعفه له بالترقي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر.



١ أخرجه البخاري في فضائل الصحابة حديث ٣٦٧٣، ومسلم في فضائل الصحابة حديث ٢٢١..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير