ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

قوله :«فَاليَوْمَ » منصوب ب «يؤخذ »، ولا يبالي ب «لا » النافية، وهو قول الجمهور١ وقد تقدم آخر «الفاتحة » ثلاثة أقوال. وقرأ ابن عامر٢ :«تؤخذ » بالتأنيث للفظ الفدية.
والباقُون : بالياء من تحت ؛ لأن التأنيث مجازي.

فصل في المراد بالفدية


قوله : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية أيها المنافقون، ولا من الذين كفروا أي : أيأسهم من النَّجاة. والمراد بالفدية قيل : لا يقبل منكم إيمان، ولا توبة ؛ لأن التكليف قد زال وحصل الإلحاد.
وقيل : لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم كقوله تعالى : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ [ البقرة : ١٢٣ ]، والفدية : ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال.
قال ابن الخطيب٣ : وهذا يدلُّ على أن قبُول التَّوبة غير واجب عقلاً على ما يقوله المعتزلة ؛ لأنه - تعالى - بين أنه لا يقبل الفدية أصلاً، والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أنَّ التوبة غير مقبولة أصلاً، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلاً.
قوله : وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ .
عطف الكافر على المنافق، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيقتضي أن يكون المنافق كافراً ؟.
وأجيب بأن المراد منه الذين أظهروا الكفر، وإلاَّ فالمنافق كافر.
قوله : مَأْوَاكُمُ النار أي : هي مصيركم.
وقوله : هِيَ مَوْلاَكُمْ يجوز أن يكون مصدراً أي : ولايتكم، أي : ذات ولايتكم.
قال القرطبي٤ :«تملك أمرهم، بمعنى أن الله - تعالى - يركب فيها الحياة والعقل، فهي تتميز غيظاً على الكُفَّار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلأت وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ [ ق : ٣٠ ].
ويجوز أن يكون مكاناً، أي : مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى بكم، كقوله تعالى : هِيَ مَوْلاَكُمْ قاله الكلبي، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة ».
قال ابن الخطيب٥ : وهذا الذي قالوه معنى، وليس تفسيراً للفظ، لأنه لو كان «مولى وأولى » بمعنى واحد في اللغة لصحّ استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، وكان يجب أن يصحّ أن يقال : هذا أولى فلان، كما يقال : مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنًى، وليس بتفسير، وإنما نبَّهنا على هذه الدقيقة ؛ لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي - رضي الله عنه - بقوله صلى الله عليه وسلم :«مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فعليٌّ مَولاهُ »٦ قال : أحد معاني «مولى » أنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن «مولى » معناه «أولى » إذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه ؛ لأن ما عداه إمَّا بَيِّنُ الثبوت ككونه ابن العم والنَّاصر، أو بَيِّنُ الانتفاء كالمعتِق، والمعتَق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى الثاني كذباً.
قال ابن الخطيب٧ رحمه الله : وأما نحن فقد بيَّنا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به.
وفي الآية وجه آخر، وهو أن معنى قوله :«هي مولاكم » أي : لا مولى لكم ؛ لأن من كانت النار مولاه، فلا مولى له، كما يقال : ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي : لا ناصر له ولا معين، وهذا متأكد بقوله تعالى : وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ [ محمد : ١١ ]، ومنه قوله تعالى : يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كالمهل [ الكهف : ٢٩ ].
وقوله : وَبِئْسَ المصير أي : هي، ومعناه٨ : ساءت مرجعاً ومصيراً.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٧٧..
٢ ينظر: إعراب القراءات السبع ٢/٣٥٢، وحجة القراءات ٧٠٠، والعنوان ١٨٦، وشرح شعلة ٥٩٨، وشرح الطيبة ٦/٤٠، وإتحاف ٢/٥٢١..
٣ التفسير الكبير ٢٩/١٩٨..
٤ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٦١..
٥ التفسير الكبير ٢٩/١٩٨..
٦ أخرجه النسائي في خصائص علي (ص ١٥) وأحمد (٣/١٠٩) والحاكم (٣/١٠٩) وابن حبان (٢٢٠٥ – موارد) وابن أبي عاصم في السنة (١٣٦٥) والطبراني (٤٩٦٩، ٤٩٧٠) من طرق عن زيد بن أرقم.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وصححه ابن حبان.
وفي الباب عن جماعة من الصحابة تنظر أحاديثهم في مجمع الزوائد (٩/١٠٧) وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/٣٣٠).
وقد خرجنا جميع أحاديث هؤلاء في تعليقنا على كتاب الكامل لابن عدي..

٧ التفسير الكبير ٢٩/١٩٩..
٨ ينظر: القرطبي ١٧/١٦١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية