قوله : والذين آمَنُواْ مبتدأ، و«أولئك » مبتدأ ثانٍ، و«هم » يجوز أن يكون مبتدأ ثالثاً، و«الصديقون » خبره، وهو مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون «هم » فصلاً، و«أولئك » وخبره خبر الأول١.
«والصِّديق » : هو الكثير الصِّدق.
وقال مجاهد : من آمن بالله ورسوله فهو صديق، وتلا هذه الآية٢.
وقال الضحاك : هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام : أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته٣.
قوله : والشهداء . يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه معطوف على ما قبله، ويكون الوقف على «الشهداء » تامًّا، أخبر عن «الذين آمنوا » أنهم صديقون شهداء.
فإن قيل : الشهداء مخصوصون بأوصاف أخر زائدة على ذلك كالتسعة المذكورين.
أجيب : بأن تخصيصهم بالذكر لشرفهم على غيرهم لا للحصر.
والثاني : أنه مبتدأ، وفي خبره وجهان :
أحدهما : أنه الظرف بعده.
والثاني : أنه قوله «ولهم أجرهم »، إما الجملة، وإما الجار وحده، والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرناه من الإعراب.
والصِّدِّيق : مثال مبالغة، ولا يجيء إلا من ثلاثي غالباً.
قال بعضهم : وقد جاء «مِسِّيك » من «أمسك »، وهو غلط ؛ لأنه يقال :«مسك » ثلاثياً، ف «مسّيك » منه.
فصل في المراد بالصديقين والشهداء٤
قال مجاهد وزيد بن أسلم : إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون، وأنه متصل، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية٥.
قال القشيري : قال الله تعالى : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين .
ف «الصديقون » هم الذين يلون الأنبياء.
و«الشهداء » هم الذين يلون الصديقين و«الصالحون » يلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل.
والمعنى : والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون والشهداء، ويكون المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، أنهم شهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول في الآخرة الذين تقبل شهاداتهم.
وقال الحسن : كل مؤمن فإنه شهيد كرامة٦.
وقال الفراء والزجاج٧ : هم الأنبياء ؛ لقوله تعالى : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً [ النساء : ٤١ ].
وقال ابن جرير :«الشهداء » هم الذين استشهدوا في سبيل الله٨.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«ما تَعُدُّون الشُّهداء فيْكُمْ » ؟ قالوا : المقتول، فقال :«إنَّ شُهَداء أمَّتِي إذاً لقَلِيلٌ »٩.
وعلى هذا يكون منقطعاً عما قبله، وتكون «الواو » في «والشهداء » واو الاستئناف، وهذا مروي عن ابن عباس ومسروق.
وقوله : لَهُمْ أَجْرُهُمْ مما عملوا من العمل الصالح. و«نورهم » على الصراط.
ثم لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين١٠، فقال : والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم .
٢ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٦) وعزاه إلى عبد الرزاق بن حميد.
وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٩٨)..
٣ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٩٨)..
٤ ينظر: القرطبي ١٧/١٦٤..
٥ أخرجه الطبري (١١/٦٨٣) عن البراء بن عازب مرفوعا بلفظ: "مؤمنو أمتي شهداء" ومثله عن ابن مسعود موقوفا أخرجه الطبري (١١/٦٨٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٥٦) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٩٨)..
٧ ينظر: معاني القرآن له ٥/١٢٦..
٨ ينظر: جامع البيان ١١/٦٨٤..
٩ أخرجه مسلم (٣/١٥٢١) كتاب الإمارة، باب: بيان الشهداء حديث (٦٥/١٩١٥) من حديث أبي هريرة..
١٠ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٠٢..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود