والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ جميعاً، والإشارة بقوله : أولئك إلى الموصول، وخبره قوله : هُمُ الصِِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاء الجملة خبر الموصول. قال مجاهد : كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق. قال المقاتلان : هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذّبوهم. وقال مجاهد : هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، واختار هذا الفراء والزجاج. وقال مقاتل بن سليمان : هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن جرير، وقيل : هم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ، والظاهر أن معنى الآية : إن الذين آمنوا بالله ورسله جميعاً بمنزلة الصدّيقين والشهداء المشهورين بعلوّ الدرجة عند الله، وقيل : إن الصدّيقين هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا بالله وصدّقوا جميع رسله، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد. ثم بيّن سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله فقال : لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ والضمير الأوّل راجع إلى الموصول، والضميران الأخيران راجعان إلى الصدّيقين والشهداء : أي لهم مثل أجرهم ونورهم، وأما على قول من قال : إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين والشهداء، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد، والمعنى : لهم الأجر والنور الموعودان لهم.
ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم ذكر حال الكافرين وعقابهم، فقال : والذين كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآياتنا أي جمعوا بين الكفر وتكذيب الآيات، والإشارة بقوله : أولئك إلى الموصول باعتبار ما في صلته من اتصافهم بالكفر والتكذيب، وهذا مبتدأ وخبره أصحاب الجحيم يعذبون بها ولا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم وظلمة دائمة.
وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا الآية». وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون، فسحب رداءه محمراً وجهه فقال :«أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم، ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية : أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله ، قالوا : يا رسول الله، فما كفارة ذلك ؟ قال : تبكون بقدر ما ضحكتم». وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا إلاّ أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عنه أيضاً قال : لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض : أيّ شيء أحدثنا أيّ شيء صنعنا ؟ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن : أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا الآية. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي روّاد أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ ءامَنُوا . وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس اعلموا أَنَّ الله يُحْيِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا قال : يعني : أنه يلين القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«مؤمنو أمتي شهداء»، ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ . وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال : كل مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس والذين ءامَنُوا بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصّدّيقون قال : هذه مفصولة والشهداء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ . وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال :«يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلاّ الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وأدّيت الزكاة وصمت رمضان وقمته، فممن أنا ؟ قال : من الصدّيقين والشهداء».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني