تمهيد :
القرآن الكريم كتاب هداية، وهو تنزيل الحكيم الحميد، وهو سبحانه يتخوّل١٧ عباده بالموعظة، فتتحول القلوب إلى الإيمان واليقين بأن الدنيا متاع، وهي عرض عابر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة حياة مستمرة، تستحق التضحية والجهاد، وقد رسم القرآن صورة للدنيا في سرعة زوالها، وعاجل تحوّلها، بزرع أخضر نام، يعجب به الزّراع، ثم يتحول الزرع إلى الشيخوخة والكبر، حين يحين موسم الحصاد، وتنتهي حياة الزرع، كما تنتهي حياة الإنسان.
هذه هي الدنيا، أشبه بلعب الأطفال، ولهو اللاهين، وزينة عابرة في الملبس والمظهر، ثم تنتهي الدنيا، وتبقى الآخرة وجها لوجه، وفيها العذاب الشديد للكافرين، والمغفرة والرحمة للمؤمنين.
ثم حث القرآن على التسابق في عمل الخير في الدنيا، للوصول إلى جنة واسعة أعدها الله للمتقين، تفضلا منه ونعمة، ثم تستمر الآيات في الدعوة إلى تكامل الشخصية، والشكر على النعماء، والصبر على البأساء، والرضا بأسباب القضاء، فقد كتب الله في الأزل على كل نفس عمرها ورزقها ومستقبلها، حتى لا تحزن حزنا مفرطا على مفقود، ولا تفرح فرحا مطغيا على موجود.
٢٤- الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .
الله تعالى لا يحب كل مختال فخور، أي لا يحب كل متكبر متباه بماله أو ولده أو جاهه أو جماله، لأنه لا يرى لغيره حقا عليه، ثم بيّن صفات هذا المختال الفخور ومن على شاكلته، بأنهم هم الذين يبخلون على عباد الله بزكاة أموالهم، ويضنون بالصّدقة والعطاء والمساعدة، والمساهمة في رعاية الفقراء والمساكين، ثم يحثون غيرهم على البخل، حتى يشيع البخل بين الناس.
وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .
ومن يعرض عن الله وعن شكره، وعن إعطاء حق الله في ماله وجاهه، فإن الله وحده هو الغني عن عباده، المحمود على حسن فعاله، لا يضره بخل البخيل، ولا تنفعه طاعة الطائع.
قال تعالى على لسان موسى عليه السلام : إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد . ( إبراهيم : ٨ ).
وقال عز شأنه : يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد . ( فاطر : ١٥ ).
***
تفسير القرآن الكريم
شحاته