نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٩:ونظرا لأن البشر على اختلاف أجناسهم إنما هم فريقان : فريق يدعوا إلى " الحق " ويسعى في الصلاح، وفريق يدعو إلى " الباطل " ويسعى في الفساد، فقد اعتنت الآيات الكريمة هنا بتحديد الفروق الواضحة والسمات المميزة التي يتميز بها الفريق الأول وهو " حزب الله " عن الفريق الثاني وهو " حزب الشيطان "، وذلك ليعرف المؤمنون عن بينة، في جهة من يجب أن يضعوا ثقتهم، وفي يد من يجب أن يضعوا أيديهم :
- فأما " حزب الشيطان " الذي يقود الشيطان خطواته، ويوحي إلى أهله زخرف القول غرورا، فهو الذي استحوذ عليه الشيطان استحواذا تاما، بحيث أنساه ذكر الله بالمرة، فلا هو من يؤمن بالرسل ورسالاتهم، ولا هو من يؤمن بالكتب المنزلة وشرائعها، ولا هو من يؤمن بالآخرة وعذابها، بل هو يتحدى أوامر الله ونواهيه تحديا صارخا، فينتهك الحرمات، ويتعدى الحدود، ويحاول أن يقف في وجه كل شيء له علاقة بتوحيد الله وهدايته، ويعمل كل ما في وسعه جاهدا لطمس معالم الوحي والدين، بين البشر أجمعين، وإلى هذا الحزب الضال المضل من البشر يشير قوله تعالى : استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون١٩ .
- وأما " حزب الله " فهو الذي شرح الله صدره للإيمان، وحببه إليه، وأقره في قلبه، وأيده بروح منه، وثبته بالقول الثابت، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وألقى في قلبه محبة المؤمنين بالله ورسوله ومودتهم، وعداوة غيرهم إلى الأبد، ولو كان هذا الغير من أقرب الأقربين. وإلى حزب الله من الهادين المهتدين، الذين هم النبراس المضيء في الدنيا والدين، يشير قوله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون٢٢ .
ومما يجب التنبيه إليه ما جاء في سياق التفرقة بين حزب الله وحزب الشيطان من قوله تعالى : إن الذين يحادّون الله ورسوله أولئك في الأذلين( ٢٠ ) كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز٢١ ، فهذه الآية " تتوعد حزب الشيطان " بأن مصيره المحتوم هو الخزي والذل والهوان، مهما تطاول على الله وجاهره بالشنآن والعدوان. كما أنها " تعد حزب الله " الذي يرعاه الله، ويتصدره " أولو العزم " من الرسل، بالغلبة على حزب الشيطان والنصر عليه، لا في الآخرة وحدها، ولكن حتى في الدنيا قبلها، طبقا لصريح قوله تعالى في آية أخرى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ( غافر : ٥١ )، وقد صدق الله وعده لحزبه فعلا، فغلب الإيمان على الكفر، وانتصر التوحيد على الشرك في رقعة واسعة من العالم، وأظهر الله دينه الحنيف على كثير من المعتقدات الزائفة، والتقاليد الباطلة، التي كانت قبل ظهوره سائدة في جميع أطراف الأرض، فآمنت بالله ورسوله، ودانت بدين الله، مآت الملايين من البشر، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، وها هو مد الإسلام، لا يزال في امتداد مستمر على الدوام، رغما عما تعرض له المسلمون عبر الأجيال والقرون من بطش وضغط، ومكر سيء، وكيد خفي، يلاحقهم به أعداء الإيمان، في كل مكان. أما موجات الكفر والإلحاد التي تتصاعد في بعض الفترات وفي بعض الأجيال، وفي بعض البقاع، فإن مآلها دائما إلى تقهقر وتراجع، أمام تيار الإيمان الصاعد، الذي يمده كل يوم مدد جديد من العلم بأسرار الكون، والمعرفة بعجائبه، والاكتشافات الحديثة لآفاقه الواسعة، وبذلك كله تتحقق الغلبة لله ولرسله في الدنيا كما هي محققة في الآخرة.
وقوله تعالى في التعقيب على هذا المعنى : إن الله قوي عزيز ، إشارة إلى أن " قوة " الله التي لا تعادلها قوة، وإلى أن " عزته " التي لا يلحقها ضيم، هما أكبر ضمان لحزب الله في صراعه مع حزب الشيطان، وما دام الأمر كذلك فمن تمسك بحبل الله، وانضم إلى حزب الله، كان أقوى من كل قوي، وأعز من كل عزيز، إذ أنه يأوي إلى ركن ركين، ويعتمد على سند متين.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري