ﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖ

ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصّل ما كذبوا فيه فقال : لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وقد كان الأمر كذلك، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود وهم بنو النضير ومن معهم ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ أي لو قدِّر وجود نصرهم إياهم، لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده. قال الزجاج : معناه : لو قصدوا نصر اليهود لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ منهزمين ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ يعني : اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم، وهم المنافقون، وقيل : يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك بل يذلهم الله ولا ينفعهم نفاقهم، وقيل معنى الآية : لا ينصرونهم طائعين ولئن نصروهم مكرهين ليولنّ الأدبار، وقيل : معنى لاَ يَنصُرُونَهُمْ لا يدومون على نصرهم، والأوّل أولى، ويكون من باب قوله : وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ [ الأنعام : ٢٨ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا قال : عبد الله بن أبيّ بن سلول ورفاعة بن تابوت وعبد الله بن نبتل وأوس بن قيظي، وإخوانهم بنو النضير. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عنه أن رهطاً من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبيّ بن سلول ووديعة بن مالك وسويد وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكفّ عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل إلاّ الحلقة، ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في قوله : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى قال : هم المشركون. وأخرج عبد الرزاق وابن راهويه وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عليّ بن أبي طالب أن رجلاً كان يتعبد في صومعة وأن امرأة كان لها إخوة، فعرض لها شيء فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت فقتلها ودفنها، فجاءوه فأخذوه فذهبوا به، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجيك، فسجد له، فذلك قوله : كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ للإنسان اكفر الآية. قلت : وهذا لا يدلّ على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية، بل يدلّ على أنه من جملة من تصدق عليه. وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا، وليس فيه ما يدلّ على أنه المقصود بالآية. وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : كَمَثَلِ الشيطان قال : ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية