تعليق على الآية :
أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ... الخ، وما بعدها لغاية الآية [ ١٧ ].
في الآيات وصف لمشهد من مشاهد وقعة بني النضير وإجلائهم وموقف المنافقين حلفائهم في ذلك وحالة اليهود النفسية والاجتماعية :
١ ـ فقد حاول المنافقون تشديد عزيمتهم ووعدوهم بعدم إطاعة أحد فيهم وبالقتال إذا قوتلوا، وبالخروج معهم إذا أخرجوا. فاحتوت الآيات تكذيبا لهم فيما قالوه ووعدوا به، وقررت أنهم حتى لو قاتلوا معهم لولوا الأدبار ولما انتصروا، وبأن مثلهم كمثل الشيطان الذي يزيّن للإنسان الكفر ثم يتخلى عنه قائلا له : إني بريء منك إني أخاف الله، وبأن عاقبة الفريقين النار خالدين فيها وهو جزاء الظالمين.
٢ ـ ولقد استولى الرعب على اليهود حينما حاصرهم النبي حتى صاروا يخافون المسلمين أكثر مما يخافون الله ولا يجرؤون على مواجهتهم في الحرب، وقصارى أمرهم أن يقاتلوا وهم متحصنون في قراهم المحصنة، أو من وراء جدرها وأسوارها. وإن عداوتهم لبعضهم شديدة وقلوبهم متفرقة، وإن بدا في الظاهر أنهم مجتمعون متفقون، وأنهم في حالتهم هذه كحالة جماعة من قبلهم لم يلبثوا حين حوصروا أن خارت عزائمهم وذاقوا شرّ ما صنعوا.
والآيات تعقيب على ما كان في ظروف حادث بني النضير وموقف اليهود والمنافقين. بل المتبادر أن آيات السورة من مطلعها إلى آخر هذه الآيات قد نزلت بعد انتهاء الحادث تعقيبا عليه من جهة، وتوضيحا لحالة اليهود والمنافقين من جهة، وتشريعا لما اقتضت حكمة التنزيل تشريعه من جهة، وتبريرا وتعليلا لكل ذلك من جهة في آن واحد. ويتبادر لنا أن بعض الأفعال التي جاءت في صيغة المضارع أو الاستقبال هي أسلوبية، ولا تعني أن تكون الآيات قد نزلت قبل انتهاء الحادث.
ولقد قلنا قبل : إن حلفاء بني النضير هم الخزرج أو قوم عبد الله بن أبي كبير المنافقين منهم. ولقد كان الجمهور الأكبر من الخزرج مخلصين مؤيدين للنبي صلى الله عليه وسلم في موقفه من اليهود ؛ فكان في ذلك خذل وخزي لعبد الله بن أبيّ ومن تابعه من عشيرته في نفاقه وموقفه، وصاروا كما حكت الآيات أعجز وأجبن من أن يفوا بوعودهم لليهود. وعاد تحريضهم وتثبيطهم على هؤلاء بخسارة أشد مما كان ينالهم لو لم يفعلوا.
أما ما أشير إليه تلميحا في الآية [ ١٥ ] من المثال القريب الذي حلّ في غيرهم فهو حادث إجلاء بني قينقاع على ما ذكره بعض المفسرين عزوا إلى ابن عباس وقد قال بعض آخر : إنه مثل ما حلّ بالمشركين في بدر١. والقول الأول هو الأرجح بقرينة ضمير قبلهم العائد لبني النضير والذي يعني حادثا لليهود، ولأن المشركين عادوا فكروا على المسلمين وأخذوا ثأرهم في وقعة أحد. ولقد شرحنا حادث إجلاء بني قينقاع في سياق تفسير سورة الأنفال فنكتفي بهذه الإشارة هنا إلى ذلك الحادث.
وقد قال بعض المفسرين : إن جملة لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى إنها في صدد اليهود والمنافقين معا٢. وقال بعضهم : هي في صدد اليهود فقط٣. وهذا هو الأوجه فيما نرى ؛ ولذلك صرفناها إلى اليهود فقط، فاليهود فقط هم الذين كانوا يقيمون في قرى محصنة في ضاحية منعزلة عن مساكن العرب.
وفي الجملة تأييد لما شرحناه في سياق تفسير الآيات [ ٨٤ ـ ٨٥ ] من سورة البقرة، وهو أن اليهود في المدينة لم يكونوا كتلة متضامنة، وأن بعضهم كانوا أعداء لبعض. ولقد نكّل النبي ببني قينقاع حينما أسفروا عن عدائهم وعدوانهم فلم يتحرك بنو النضير وبنو قريظة لنصرتهم، ثم نكّل ببني النضير فلم يتحرك بنو قريظة مما فيه تأييد آخر من الوقائع.
والآيات وإن تكن في معرض مشهد من مشاهد السيرة، فإن فيها تلقينات جليلة تظل مستمد إلهام وقوة للمخلصين من المسلمين تجاه أعدائهم وتجاه المخامرين منهم مع الأعداء إذا هم كانوا أشداء أقوياء القلوب والعزائم والإيمان ؛ لأن الأعداء والمخامرين في هذه الحالة لن يلبثوا أن يخروا ويخذلوا إزاء مثل هذا الموقف. وتظل كذلك مستمد إلهام في تقبيح مواقف المخامرين والمنافقين والمتضامنين بأي أسلوب مع الأعداء وفي عدم قبول أي عذر لهم قد يعتذرون به باسم الصداقة والواقع أو المصلحة أو المحالفة ؛ لأن المصلحة العامة العليا هي التي يجب أن يكون لها الاعتبار الأول.
ولقد ساق المفسرون٤ قصصا مختلفة الصيغ والأسماء متفقة المغزى مسهبة البيان عن ابن عباس وغيره في سياق الآية [ ١٦ ] خلاصتها : أن الإنسان الذي قال له الشيطان اكفر هو شخص كان ناسكا أعيا الشيطان فاحتال عليه وكسب ثقته وعلمه اسم الله الأعظم فصار يشفي به المجانين والمصروعين والمرضى، ثم خالط الشيطان فتاة جميلة حتى جنّت فجاءوا بها إلى هذا الناسك فأعجبته وحينئذ استطاع الشيطان أن ينفذ إليه ويزين له مواقعتها، ثم قتلها لإخفاء جريمته وجاء أهلها لتفقدها فشعر الناسك بالورطة التي تورط بها فظهر له الشيطان وقال له : إن سجدت لي أنقذتك من ورطتك فسجد له، وحينئذ قال له : إني بريء منك إني أخاف الله.
وقد تكون هذه القصص مما كان يتداوله الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى كل حال فالآية إنما جاءت في معرض التمثيل والتنديد والإفحام.
التفسير الحديث
دروزة