قوله سبحانه: ولا تَكُونُوا كالذينَ نَسُوا فأنسَاهُم أنفُسَهُمْ هناك أمر بتقوى الله وتطبيق منهجه، وهنا نهى عن نسيان الله، يعني: حين تُطبّق منهج الله ينبغي ألاّ يغيب اللهُ عن بالك أبداً لأنه ربُّك وإلهك الذي تعمل له.
ونلاحظ هنا أن الآية الكريمة لم تقُلْ لنا لا تنسوا الله، وإنما لا تَكُونُوا كالذينَ نسُوا اللهَ.. فكأن نسيان الله أمر غير متوقّع أن يحدث من الذين آمنوا.
والنسيان أن تكون عندك معلومة ثم تنصرف عنها بمشاغل أخرى، أو تغفل عنها حتى تنساها، لأن العقل فيه بؤرة الشعور وحاشية الشعور، فالمعلومة تدخل في بؤرة الشعور وطالما هي في بؤرة الشعور تتذكرها.
فإذا انتقلت إلى حاشية الشعور تنساها وتحتاج مَنْ يُذكّرك بها لتعيدها إلى بؤرة الشعور مرة أخرى، وإلا لو ظلّ كل شيء في بؤرة الشعور لما التفت الإنسان إلى شيء آخر.
قال تعالى: ما جَعَلَ اللهُ لرَجُلٍ من قَلْبين في جوفِه.. ٤ [الأحزاب] ومن نعم الله عليك أنك تستطيع أنْ تستدعي المعلومة من حاشية الشعور حينما تحاول أنْ تتذكرها.
لكن كيف كان الله معلوماً لهم ثم نسُوا ذكره تعالى؟ قالوا: الله عز وجل معلومٌ لكلّ الخلْق منذ أنْ كانوا جميعاً في مرحلة الذر وهم في ظهر أبيهم آدم عليه السلام، ومنذ أنْ أخذ الله عليهم العهد:
وإذْ أخَذَ ربُّك من بَني آدَمَ من ظُهُورهم ذريّتِهُم وأشْهدهم عَلى أنفسهم ألستُ بربكم قالُوا بلى شهدنا.. ١٧٢ [الأعراف] فالحق سبحانه يخاطب فيك هذه الذرة التي أخذتها من أبيك آدم، لأنه سبحانه يخاطب فيك هذه الذرة التي أخذتها من أبيك آدم، لأنه سبحانه القادر وحده على ذلك، فيخاطب الذرة كما خاطب الأرض وكما خاطب النحل.
والحق سبحانه وتعالى أخذ علينا هذا العهد ليكون حجة علينا إذا غفلنا عن ذكره تعالى أو نسيناه أن تقُولُوا يَوْمَ القيَامَةِ إنّا كنَّا عنْ هذا غافلين ١٧٢ أوْ تَقُولوا إنَّمَا أشْركَ آباؤُنَا من قَبْلُ وكنّا ذُريّة منْ بعدهمْ أفتُهلِكُنا بما فعل المُبْطلُون ١٧٣ [الأعراف]
كأنه سبحانه يقول لك: إياك أنْ تقول هذا القول، إياك أنْ تصيبك هذه الغفلة التي تُنسيك ذكر الله، لأنه لا عذر لك فيه، لأنه تعالى أخذ العهد علينا ثم توالت رسُله وتتابعت تُذكّرنا بهذا العهد.
فإذا ما حدث من الإنسان غفلة قامت هذه الذرة بدور المناعة فتذكّره وترده إلى الله، قالوا: هذه الذرة هي النفس اللوامة في الإنسان، فإذا ضعفت فلم تردع صاحبها فاستشرى في المعصية يردعه المجتمع.
فإذا لم يوجد في المجتمع الرادع وكان المجتمع أيضاً فاسداً قلنا: تتدخل السماء برسول جديد.
إلى أنْ جاءت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وجعل الله أمته خير أمة أخرجت للناس لأنها تولّتْ مهمة الأنبياء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كُنتُمْ خيْرَ أمّةٍ أُخْرِجت للنّاسِ تأْمُرُون بالمعروف وتنْهون عن المنكر.. ١١٠ [آل عمران] لذلك جعلهم الله شهداء على غيرهم من الأمم لتكُونُوا شُهداء على النّاسِ ويكُونَ الرّسُولُ عليكُم شهيداً.. ١٤٣ [البقرة]
وبهذا تحملت هذه الأمة مهمة الرسل وضمنا أن مجتمعنا لا يخلوا أبداً من عناصر الخير وحاملي مشاعل الهداية، ومهما انطمست الحقائق وأظلمت الصورة لانعدم وجود نموذج للخير وللهداية يردّ الناس إلى الجادة.
ومعنى فأنساهُم أنفسهم.. لأنهم نسوا الله ألهتهم أموالهم وأولادهم عن الله وصرفتهم الدنيا وتواردت عليهم الغفلة فنسُوا حتى أنفسهم أي نسوا مصدر الخير لهم، فكأنهم نسوا أنفسهم حينما حرموها من مصدر خيرها.
والإنسان حينما ينفصل عن ربه وخالقه يعيش في ضنك مهما نال من نعيم الدنيا وزخرفها، والمؤمن الموصول بربه يعيش سعيداً وإنْ كان لا يجد قوت يومه...
وإذا حدد الإنسان غايته هَانَ عليه الطريق وسَهُل عليه الوصول، وما اختلف الناسُ هذا الاختلاف إلا باختلاف غاياتهم في الحياة، فتحديد الغاية أشقّ من الوصول إليها...
والغاية الحقيقية هي الهدف الذي ليس بعده بعد، ولو سلسلتَ غايات العالم كله ستجد أنها تنتهي عند الآخرة حيث الفوز والفلاح والنعيم الباقي الذي لا ينفد.
ويقول الحق سبحانه: أولَئكَ هُمُ الفَاسِقُون ويقال: فسقت الرطبة أي بعدت القشرة عن الثمرة، فعندما تكون الثمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها.
فإذا أصبحت الثمرة أو البلحة رطباً تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة.
هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله، ينسلخ عنه بسهولة ويُسر لأنه غير ملتصق به، وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ونواهيه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي