ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

قوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض .
هذا أمر إباحة كقوله : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا [ المائدة : ٢ ]، والمعنى : إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا فِي الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم وابتغوا مِن فَضْلِ الله أي : من رزقه١.
وكان عراك بن مالك إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال : اللهم إني أجبت دعوتك، وصلّيت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك رزقاً حلالاً وأنت خير الرازقين.
وقال جعفر بن محمد في قوله تعالى : وابتغوا مِن فَضْلِ الله : إنه العمل في يوم السبت.
وقال سعيد بن المسيب : طلب العلم.
وقيل : صلاة التطوع٢.
وقال ابن عباس : لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هي عيادة المرضى وحضور الجنائز وزيادة الأخ في الله تعالى٣.

فصل


في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة.
منها ما روي عن أبي هريرة قال : خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان فيما حدثته أن قلت له : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه هَبَطَ من الجنة، وفيه مَاتَ، وفِيهِ تِيبَ علَيْهِ، وفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، ومَا مِن دابَّةٍ إلاَّ وهِيَ مُسَبِّحَةٌ فِي يَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ حِين تُصْبحُ حتَّى تطلُعَ الشَّمْسُ شفقاً من السَّاعَة إلاَّ الجِنَّ والإنْسَ وفيهَا سَاعَةٌ لا يُصادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهُو يُصلِّي فيسألُ اللَّهَ شَيْئاً إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ ".
قال كعب : ذلك في كل سنة يوم ؟ فقلت : بل في كل جمعة، قال : فقرأ كعب التوراة فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة : ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، قال عبد الله بن سلام : قد علمت أية ساعة هي ؟ هي في آخر ساعة من يوم الجمعة.
قال أبو هريرة : وكيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يُصادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وهُو يُصلِّي " وتِلْكَ السَّاعَةُ لا يُصلَّى فِيهَا ؟ فقال عبد الله بن سلام : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَن جَلَسَ مَجْلِساً يَنتظِرُ الصَّلاة فَهُوَ فِي صلاةٍ حتَّى يُصلِّيهَا " ٤ ؟.
قال أبو هريرة : بلى. قال :" فهو ذاك ".
وقال - عليه الصلاة والسلام - :«مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمعة واسْتَنَّ ومسَّ طِيْباً إن كان عِندَهُ ولبِسَ مِنْ أحْسَن ثيابهِ ثُمَّ خَرَجَ حتَّى يَأتِيَ المَسْجِدَ ولمْ يتَخَطَّ رِقَاب النَّاسِ ثُمَّ رَكَعَ مَا شَاءَ اللَّهُ أن يَرْكَعَ وأنصَتَ إذا خَرَجَ الإمامُ، كَانَتْ كفَّارة لما بَيْنهُمَا وبَيْنَ الجُمُعةِ الأخْرَى الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا »٥.
وقال أبو هريرة : وزيادة ثلاثة أيام ؛ لأن اللَّه تعالى يقول : مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [ الأنعام : ١٦٠ ].
وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذَا كَانَ يَوْمُ الجمعة كَانَ عَلى كُلِّ بَابٍ مِنْ أبْوابِ المَسْجدِ ملائِكةٌ يَكْتُبُونَ [ النَّاسَ على مَنَازلِهِم ]٦، الأوَّل فالأوَّلَ، فإذا خرج الإمامُ طُويتِ الصُّحَفُ واستَمَعُوا الخُطْبَةَ »٧.
وقال :«مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمعَةِ، ثُمَّ رَاحَ في السَّاعةِ الأولى، فكَأنَّما قَرَّب بَدَنةً، ومن رَاحَ فِي السَّاعةِ الثَّانيةِ فكأنَّما قرَّب بقرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالثة فكأنَّما قرَّب كبْشاً، ومن رَاحَ في السَّاعةِ الرَّابعةِ فكأنَّما قرَّب دَجَاجَةً [ ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب عصفوراً ]٨، ومن رَاحَ فِي السَّاعةِ السادسة، فكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً فإذا خَرَجَ الإمامُ حَضرتِ الملائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ »٩.
قوله : واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي : بالطاعة واللسان، وبالشكر على ما أنعم به عليكم من التوفيق لأداء فرائضه لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ كي تفلحوا ]١٠.
وقال سعيد بن جبير : الذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره ؛ ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن كان كثير التسبيح١١.
قال ابن الخطيب١٢ : فإن قيل : ما الفرق بين ذكر الله أولاً وذكر الله ثانياً ؟.
فالجواب : أن الأول من جملة ما لا يجتمع مع التجارة أصلاً إذ المراد منه الخطبة والصلاة والثاني من جملة ما يجتمع مع التجارة كما في قوله تعالى : رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله [ النور : ٣٧ ].
١ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/٧١..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٧١)..
٣ ورد هذا مرفوعا من حديث أنس بن مالك وابن عباس أما حديث أنس فأخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٩٧) وحديث ابن عباس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٣٠) وعزاه إلى ابن مردويه..
٤ أخرجه مالك في الموطأ ١/١٠٨-١١٠، في كتاب الجمعة (١٦)، وأحمد في المسند ٢/٤٨٦، وأبو داود ١/٦٣٥-٦٣٥، في الصلاة، باب: تفريع أبواب الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة (١٠٤٦) والترمذي ٢/٣٦٢-٣٦٣، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة (٤٩١)، والنسائي ٣/١١٣-١١٥، في كتاب الجمعة، باب: ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة وأخرجه البيهقي ٣/٢٥٠ في كتاب الجمعة، باب: الساعة التي في يوم الجمعة..
٥ أخرجه أبو داود ١/٩٤-٩٥، في كتاب الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة (٣٨٣)، وأخرجه أحمد في المسند ٣/٨١؛ والحاكم في المستدرك ١/٣٨٣، وصححه ووافقه الذهبي..
٦ في أ: المصلين الساعين من منازلهم إلى الجمعة..
٧ أخرجه البخاري ٢/٤٧٢، في كتاب الجمعة، باب: الاستماع إلى الخطبة (٩٢٩)، (٣٢١١) وأخرجه مسلم ٢/٥٨٧، في كتاب الجمعة، باب: فضل التهجير يوم الجمعة ٢٤/٨٥٠، والشافعي ١/١٥٥..
٨ هذه الزيادة عند النسائي، باب: التبكير إلى الجمعة وانظر: نصب الراية ٣/٩٩..
٩ أخرجه البخاري ٢/٤٢٥، في كتاب الجمعة، باب: فضل الجمعة (٨٨١)، ومسلم ٢/٥٨٢، في الجمعة باب: الطيب والسواك (١٠/٨٥٠)، ومالك في الموطأ ١/١٠١، في الجمعة، باب: العمل في غسل يوم الجمعة (١)..
١٠ سقط من أ..
١١ ينظر: القرطبي ١٨/١٧..
١٢ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية