فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة أي إذا فعلتم الصلاة وأدّيتموها وفرغتم منها فانتشروا فِي الأرض للتجارة والتصرّف فيما تحتاجون إليه من أمر معاشكم وابتغوا مِن فَضْلِ الله أي من رزقه الذي يتفضل به على عباده بما يحصل لهم من الأرباح في المعاملات والمكاسب، وقيل : المراد به ابتغاء ما عند الله من الأجر بعمل الطاعات واجتناب ما لا يحلّ واذكروا الله كَثِيراً أي ذكراً كثيراً بالشكر له على ما هداكم إليه من الخير الأخروي والدنيويّ، وكذا اذكروه بما يقرّبكم إليه من الأذكار، كالحمد والتسبيح والتكبير والاستغفار ونحو ذلك لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي كي تفوزوا بخير الدارين وتظفروا به.
وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي فيها، وأنه يستجاب الدعاء فيها، وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحرّ قال : رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه إِذَا نُودِيَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبيّ بن كعب، قال : إن أبياً أقرأنا للمنسوخ اقرأها ( فامضوا إلى ذكر الله ) وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلاّ ( فامضوا إلى ذكر الله ) وأخرجه عنه أيضاً الشافعي في الأمّ وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. وأخرجوا كلهم أيضاً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ( فامضوا إلى ذكر الله ) قال : ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي. وأخرج عبد بن حميد عن أبيّ بن كعب أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس : فاسعوا إلى ذِكْرِ الله قال : فامضوا. وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي : العمل. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب : أن رجلين من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية وَذَرُواْ البيع فحرم عليهم ما كان قبل ذلك. وأخرج ابن جرير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله قال :«ليس لطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : لم تؤمروا بشيء من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال :«بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلاّ إثنا عشر رجلاً أنا فيهم وأبو بكر وعمر، فأنزل الله : وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا إلى آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال : جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً». وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى عن جماعة من الصحابة وغيرهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني