ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

قَوْله تَعَالَى: هم الَّذين يَقُولُونَ لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا وَقُرِئَ فِي الشاذ " حَتَّى يَنْفضوا " من النفض أَي: حَتَّى يَنْفضوا أوعيتهم فيفتقروا ويتفرقوا.
وَقَوله: هم الَّذين يَقُولُونَ يُقَال: الْوَاو محذوفة، وَمَعْنَاهُ: وهم الَّذين يَقُولُونَ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة أَي: وَيَقُولُونَ، قَالَ الشَّاعِر:

صفحة رقم 443

(لأمر مَا تصرفت اللَّيَالِي... لأمر مَا تحركت النُّجُوم)
أَي: ولأمر.
وَقَوله: لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله نزلت الْآيَة على سَبَب، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ، عَن عُرْوَة، عَن أُسَامَة بن زيد أَن عمر رَضِي الله عَنهُ كَانَ اسْتَأْجر رجلا من غفار يُقَال لَهُ: " جَهْجَاه " ليعْمَل لَهُ فِي بعض الْغَزَوَات، وَهِي غَزْوَة " الْمُريْسِيع " فجرت بَينه وَبَين رجل من الْأَنْصَار مُنَازعَة على رَأس بِئْر للإسقاء فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا للْأَنْصَار، وَقَالَ جَهْجَاه: يَا للمهاجرين، فَسمع النَّبِي ذَلِك فَقَالَ: " مَا بَال دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة دَعُوهَا فَإِنَّهَا ميتَة ". وَبلغ ذَلِك عبد الله بن أبي سلول فَغَضب وَقَالَ: هَذَا مثل مَا قَالَ الأول سمن كلبك، وَقَالَ: أما إِنَّكُم لَو أطعتموني لم تنفقوا على من اجْتمع عِنْد هَذَا الرجل وَكَانَ الْأَنْصَار يُنْفقُونَ على الْمُهَاجِرين، وَكَانُوا يَنْفضونَ عَنهُ وَقَالَ: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل وعنى بالأعز نَفسه، وَبِالْأَذَلِّ مُحَمَّدًا فَبلغ ذَلِك النَّبِي وَقَالَ عمر: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق. فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " لَا يبلغ النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه " أَي: لَا أَقتلهُ لهَذَا قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الديبلي، أخبرنَا أَبُو عبد الله سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، أخبرنَا سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ... الحَدِيث.
وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الْخَبَر فِي كِتَابه بِرِوَايَة زيد بن أَرقم قَالَ: كنت مَعَ عمر فِي غزَاة فَسمِعت عبد الله بن أبي بن سلول يَقُول لأَصْحَابه: لَا تنفقوا على من عِنْد رَسُول الله حَتَّى يَنْفضوا، وَقَالَ: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل. قَالَ فَجئْت إِلَى عمر وَذكرت لَهُ ذَلِك، وَذكر عمر ذَلِك لرَسُول الله، فجَاء ابْن أبي بن سلول إِلَى النَّبِي وَحلف أَنه مَا قَالَه فَصدقهُ وَكَذبَنِي، فَأَصَابَنِي من الْهم مَا لم يُصِبْنِي مثله قطّ حَتَّى جَلَست فِي بَيْتِي، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَالَّتِي قبلهَا،

صفحة رقم 444

الْمُنَافِقين لَا يفقهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فدعاني رَسُول الله وَقَالَ: " إِن الله تَعَالَى قد صدقك ".
وَفِي رِوَايَة سُفْيَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر " أَن رجلا من الْمُهَاجِرين كسع رجلا من الْأَنْصَار، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: ياللأنصار، وَقَالَ الْمُهَاجِرِي: ياللمهاجرين وَكَانَ الْأَنْصَار أَكثر من الْمُهَاجِرين حِين قدم رَسُول الله الْمَدِينَة، ثمَّ كثر الْمُهَاجِرين من بعد فَلَمَّا سمع عبد الله بن أبي بن سلول ذَلِك قَالَ مَا ذَكرْنَاهُ، (وسَاق) الحَدِيث قَرِيبا من الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا ". قَالَ رَضِي الله عَنهُ: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذكرنَا عَن سُفْيَان.
وَقَوله: حَتَّى يَنْفضوا أَي: يتفرقوا.
وَقَوله تَعَالَى: وَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض مَعْنَاهُ: أَنهم لَو لم تنفقوا فَللَّه خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهُوَ يرزقكم. وَيُقَال: خَزَائِن السَّمَوَات بالمطر، وخزائن الأَرْض بالنبات. وَعَن بَعضهم: خَزَائِن السَّمَوَات مَا قَضَاهُ، وخزائن الأَرْض مَا أعطَاهُ. وَقَالَ بعض أَرْبَاب الخواطر: خَزَائِن السَّمَوَات: الغيوب، وخزائن الأَرْض: الْقُلُوب. وَالصَّحِيح الأول.
قَوْله: وَلَكِن الْمُنَافِقين لَا يفقهُونَ قد بَينا.

صفحة رقم 445

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية