هم الذين يقولون للأنصار : لا تُنفقوا على مَن عند رسول الله حتى ينفضوا ؛ يتفرقوا، وهذه المقالة كانت السبب في استدعائه إلى الاستغفار، كما تقدّم، فحقها التقديم قبل قوله : وإِذا قيل لهم تعالوا وإنما أُخرت ليتوجه العتاب إليه مرتين، كما تقدّم في سورة البقرة.
ثم قال تعالى، في الرد على الخبيث : ولله خزائنُ السموات والأرض ، فهو رد وإبطال لما زعموا من أنَّ عدم إنفاقهم يؤدي إلى انفضاض الفقراء من حوله صلى الله عليه وسلم ببيان أنَّ خزائن الأرزاق بيد الله تعالى خاصة، يُعطي مَن يشاء، ويمنع مَن يشاء، فيرزق منها المهاجرين، وإن أمسك أهلُ المدينة عنهم، ولكنَّ المنافقين لا يفقهون ؛ ولكن عبد الله وأضرابه لا يفقهون ذلك فيهتدون، بما يُزيِّن لهم الشيطان.
وكان الشبلي يقرأ : وللّه خزائن السماوات والأرض ويقول : فأين تذهبون. هـ. أي : حين تهتمون بالرزق بعد هذه الآية.
ولله العزةُ ولرسوله وللمؤمنين ، قال بعضهم : عزة الله : قهره، وعزته لرسوله : إظهاره، وعزتُه للمؤمنين : نصره إياهم على مَن آذاهم. وقيل : عزة الله : الولاية
هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [ الكهف : ٤٤ ]، وعزة الرسول : الكفاية والعناية، وعزة المؤمنين : الرفعة والرعاية، وقيل : عزة الله : الربوبية، وعزة الرسول : النبوة، وعزة المؤمنين : العبودية، فإذا أردتَ أيها العبد أن تكون عزيزاً فارفع همتك عن الخلق، وسُد باب الطمع، وتحلَّ بحلية الورع. قال بعضهم : والله ما رأيتُ العزّ إلاَّ في رفع الهمة عن الخلق، وقال آخر : ما قُذِّر لماضغيك أن يمضغاه فلا بدّ أن يمضغاه، فامضغه ـ ويحك ـ بعز، ولا تمضغه بذل. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي