تمهيد :
هذه آيات تربية وتعليم من الله تعالى لعباده، تحذّرهم من أن يكون حبّهم لأزواجهم وأولادهم حاملا لهم على ارتكاب الحرام، كالزوج الذي تحمله زوجته على هجر ضرتها، وكالولد الذي يغري أباه بالسرقة أو المذلة.
سأل رجل عبد الله بن عباس عن قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ... فقال : هؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وفيها : وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . xiv
والمال نعمة، والولد نعمة، وقد أمرنا الله أن نشكره سبحانه على النعمة، بإخراج زكاة المال، وإخراج الصدقات والكفّارات وصلة الرحم، والمساهمة في الخيرات والواجبات، كما أمرنا الإسلام بتربية الأولاد والبنات، وتعليمهم مكارم الأخلاق وآداب الإسلام والمحافظة على الصلاة، والتوازن في التربية، فلا تكن رطبا فتعصر، ولا صلبا فتكسر، بل ينبغي أن تكون متوسطا متوازنا، تأمر وتنصح، وتكافئ وتعاقب.
وتأمر الآيات بتقوى الله في رفق وتوسط واعتدال، وبإنفاق المال واتقاء الشحّ والبخل والحرص والجشع، ثم تحثنا على الصدقة ومساعدة المحتاجين، فذلك قرض لله، والله تعالى يضاعف للمؤمن الثواب والجزاء.
المفردات :
فتنة : ابتلاء واختبار وامتحان.
التفسير :
١٥- إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .
المال والولد فتنة، بمعنى اختبار وابتلاء، لينظر الله إلى سلوك العبد تجاه هذه النعمة، هل يؤدّي زكاة المال ؟ هل يتصدق على المحتاجين ؟ هل يساعد الضعفاء والمساكين ؟
وهل يتقي الله في الأولاد، فيحسن تربيتهم وتعليمهم وتهذيبهم ؟ وهل يتماسك أمام الزوجة والأولاد، فلا ينشغل بهم عن حقوق الله عليه ؟
كما قال سبحانه وتعالى : يأيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون . ( المنافقون : ٩ ).
والمراد بذكر الله : تذكّره وطاعته، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه.
وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ .
وعند الله ثواب عظيم، وجزاء كريم في الدنيا والآخرة، لمن آثر الحلال من الأموال، وابتعد عن الحرام والشبهات، وآثر الالتزام بأوامر الله في تربية أولاده وبناته، فصانهم عن الحرام، وحثهم على أداء الفرائض، واجتناب المحرمات، فهذا أهل للجزاء العظيم عند الله، حيث يجعله من أهل القربى والزلفى والرضوان والنعيم المقيم.
أخرج البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ فيقول : ألا أعطيكم لأفضل من ذلك ؟ قالوا : يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ فيقول : أُحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا ". xv
تفسير القرآن الكريم
شحاته