٣- على المؤمنين تهوين المصائب على أنفسهم، والاشتغال بطاعة الله تعالى، والعمل بكتابه، وإطاعة الرسول ﷺ في العمل بسنته، فإن تولوا عن الطاعة، فليس على الرسول ﷺ إلا التبليغ.
٤- على الناس قاطبة توحيد الله وعبادته وحده، فلا إله إلا هو، ولا معبود سواه، ولا خالق غيره، وعليهم التوكل على الله، وحسن الظن بالله، والاعتماد عليه بعد تعاطي الأسباب، والقيام بما يقتضيه الواجب من السعي والعمل في الحياة.
التحذير من فتنة الأزواج والأولاد والأموال والأمر بالتقوى والإنفاق
[سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١٤ الى ١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
الإعراب:
وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ خَيْراً إما منصوب ب أَنْفِقُوا ويراد به هنا المال، أو منصوب بفعل مقدر دل عليه. أَنْفِقُوا أي وآتوا خيرا، أو وصف لمصدر محذوف، أي وأنفقوا إنفاقا خيرا، أو خبر كان مقدرة، أي وأنفقوا وكان الإنفاق خيرا..
البلاغة:
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بينهما طباق.
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ استعارة تمثيلية، شبه الإنفاق في سبيل الله والتصدق على الفقراء بمن يقرض الله قرضا واجب الوفاء بطريق التمثيل، سماه قرضا من حيث التزام الله بثوابه. وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ صيغة مبالغة على وزن فعول وفعيل.
رَحِيمٌ ظِيمٌ
حَلِيمٌ الْحَكِيمُ سجع مرصع لتوافق الفواصل.
المفردات اللغوية:
إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ يشغلكم عن طاعة الله والتخلف عن الخير، كالجهاد.
وَإِنْ تَعْفُوا عنهم في التثبيط عن الخير وعن ذنوبهم، بترك المعاقبة. وَتَصْفَحُوا بالإعراض وترك اللوم. وَتَغْفِرُوا بالتجاوز عما فعلوا والتمهيد للمعذرة. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعاملكم بمثل ما عملتم.
ْنَةٌ
اختبار لكم بمعرفة مدى شغلها لكم عن أمور الآخرة. اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم. وَاسْمَعُوا مواعظه. وَأَطِيعُوا أوامره. وَأَنْفِقُوا في وجوه الخير والطاعة لوجهه الكريم. خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ أي افعلوا ما هو خير، وهو خبر «يكن» مقدرة، جوابا للأمر.
وَمَنْ يُوقَ يحفظ نفسه. شُحَّ الشح: البخل مع الحرص. الْمُفْلِحُونَ الفائزون. إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ بصرف المال فيما أمر. قَرْضاً حَسَناً هو التصدق من الحلال، مقرونا بالإخلاص وطيب النفس. يُضاعِفْهُ لَكُمْ يزيد الثواب من عشرة أضعاف إلى سبع مائة ضعف وأكثر، وقرئ: يضعفه بالتشديد. وَيَغْفِرْ لَكُمْ ببركة الإنفاق. وَاللَّهُ شَكُورٌ- يعطي على الطاعة الجزيل بالقليل. حَلِيمٌ لا يعاجل بالعقوبة على المعصية.
عالِمُ الْغَيْبِ ما غاب عن الأنظار ويشمل السر. وَالشَّهادَةِ ما يشاهد بالحس، ويشمل العلانية، فلا يخفى عليه شيء. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تام القدرة والعلم فهو القوي في ملكه، الحكيم المتقن في صنعه وتدبيره.
سبب النزول:
نزول الآية (١٤) :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ: أخرج الترمذي والحاكم وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ في قوم من أهل مكة، أسلموا، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأوا الناس قد فقهوا، فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله: إِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا الآية.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة التغابن كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ.. نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد، فكان إذا أراد الغزو بكوا إليه، ووقفوا، فقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرقّ ويقيم، فنزلت هذه الآية، وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة.
وفي رواية عن ابن عباس قال: كان الرجل يريد الهجرة، فتحبسه امرأته، فيقول: أما والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلنّ ولأفعلنّ، فجمع الله بينهم في دار الهجرة، فأنزل الله هذه الآية:
سبب نزول الآية (١٦) :
فَاتَّقُوا اللَّهَ: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفا على المسلمين: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
المناسبة:
بعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، حذر تعالى من الأزواج
والأولاد الذين يثبطون عن الطاعة، شأن أكثر ميل الناس عن الطاعات، ثم أبان أن الأموال والأولاد فتنة، فينبغي الحذر، ثم أمر تعالى بالتقوى والإنفاق في سبيل الله، مبينا مضاعفة الثواب للمنفقين ومغفرته لهم.
التفسير والبيان:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ، فَاحْذَرُوهُمْ أي يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، إن بعض أزواجكم وأولادكم أعداء لكم، عداوة أخروية، يشغلونكم عن الخير والأعمال الصالحة التي تنفع في الآخرة، فكونوا منهم على حذر، واحذروا أن تؤثروا حبهم وشفقكم عليهم على طاعة الله تعالى.
وقد عرفنا سبب النزول: أن رجالا من مكة أسلموا، وأرادوا أن يهاجروا، فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم، فلا يطيعوهم.
وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يأتي زمان على أمتي، يكون فيه هلاك الرجل على يد زوجه وولده، يعيّرانه بالفقر، فيركب مراكب السوء، فيهلك» «١».
ثم أمر الله تعالى العفو والصفح عنهم، فقال:
وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي وإن تعفوا عن ذنوب أزواجكم وأولادكم التي ارتكبوها بترك المعاقبة، وتصفحوا بترك اللوم والتثريب عليها، وتستروا الأخطاء تمهيدا لمعذرتهم فيها، فالله غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، يعامل الناس بأحسن مما عملوا.
ثم زاد الله تعالى الأمر بيانا، فقال:
َّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
أي الأموال والأولاد بلاء واختبار ومحنة، وربما يحملونكم على كسب الحرام، ومنع حق الله، وارتكاب المعاصي والآثام، والله عنده الثواب الجليل لمن آثر طاعة الله تعالى، وترك معصيته في محبة ماله وولده.
أخرج أحمد والترمذي والحاكم والطبراني عن كعب بن عياض قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال».
وأخرج أحمد وأبو بكر البزار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الولد ثمرة القلوب، وإنهم مجبنة مبخلة محزنة».
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك: ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك».
ثم أمر الله بالتقوى والطاعة والنفقة، فقال:
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ أي فالزموا أوامر الله واجتنبوا نواهيه قدر جهدكم وطاقتكم، كما
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه».
واسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا أوامر الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، وأنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، فإن الإنفاق في مصالح الأمة والدين خير وسعادة لأنفسكم من الأموال والأولاد، وهو خير لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرا لكم في الدنيا والآخرة.
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي من وقاه الله وحفظه من داء الشح والبخل، فأنفق في سبيل الله ووجوه الخير، فأولئك هم الظافرون بما يرجون، الفائزون بما يطلبون.
ثم أكد الله تعالى الحث على الإنفاق قائلا:
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ أي إن تصرفوا بعض أموالكم في وجوه الخير بإخلاص نية وطيب نفس، يضاعف الله لكم الثواب، فيجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ويغفر لكم أيضا ذنوبكم، والله يجزي على القليل الكثير، يصفح ويغفر ويستر الذنوب والزلات والخطايا، ولا يعاجل من عصاه بالعقوبة. وفي الآية إيماء إلى أن الشقي من لا يقدم لنفسه شيئا يستقرضه منه رازقه، مع شدة حاجته إليه بعد مماته.
ونظير الآية: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً.. [البقرة ٢/ ٢٤٥].
وأخرج الحاكم وصححه وابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: استقرضت عبدي، فأبى أن يقرضني، ويشتمني عبدي، وهو لا يدري، يقول: وا دهراه، وأنا الدهر، ثم تلا أبو هريرة هذه الآية: إِنْ تُقْرِضُوا...
ثم رغب الله تعالى في النفقة ترغيبا زائدا، فقال:
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي إن الله سبحانه بالغ العلم بما غاب عنكم وما حضر، الغالب القاهر، ذو الحكمة الباهرة، يضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
١- حذر الله تعالى كل إنسان من ضرر الأزواج والأولاد وأنذر من عداوتهم، إما ضررا دينيا أخرويا، وإما ضررا بدنيا متعلقا بالدنيا وضرر الدين: عدم الطاعة لأوامر الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم، وترك الهجرة التي كانت مفروضة في العهد الإسلامي الأول، وترك الإنفاق في سبيل الله أي الجهاد.
وضرر الدنيا كارتكاب معصية إرضاء لهم، مثل السرقة للإنفاق، أو هجر الضرّة مثلا أو قطيعة جار أو صديق أو قريب.
وهذه العداوة لا تكون عادة إلا بسبب الكفر والنهي عن الإيمان، ولا تكون بين المؤمنين، فأزواجهم وأولادهم المؤمنون لا يكونون عدوا لهم. وفي هؤلاء الأزواج والأولاد الذين منعوا أزواجهم وآباءهم عن الهجرة في الماضي نزل قوله تعالى كما تقدم: نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
. قال ابن عباس رضي الله عنهما:
لا تطيعوهم في معصية الله تعالى. وفتنة، أي بلاء وشغل عن الآخرة. والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد. لكن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم.
٢- ليس الأزواج والأولاد أعداء بالذات، وإنما أعداء بأفعالهم، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا.
جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان، فقال له:
أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك؟ فخالفه فآمن، ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك مالك وأهلك؟ فخالفه فهاجر، ثم قعد له على طريق الجهاد، فقال له: أتجاهد فتقتل نفسك، فتنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة».
وقعود الشيطان إما بالوسوسة وإما بحمله على ما يريد الزوج والولد والصاحب، قال تعالى: وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ [فصلت ٤١/ ٢٥].
٣- إن العفو والصفح ومغفرة الزلات والخطايا أفضل من الانتقام والعقاب، وإن الله غفور للسيئات رحيم بالعباد، فلا يعجل بالعقوبة، ويجازيكم خيرا حال العفو والصفح.
٤- إن الأموال والأولاد فتنة، أي بلاء واختبار يحمل على كسب الحرام ومنع حق الله تعالى، فلا طاعة لهم في معصية الله،
ورد في الحديث: «يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: أكل عياله حسناته» «١».
٥- عند الله الأجر العظيم وهو الجنة، فهي الغاية، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين، وهذا تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.
جاء في الصحيحين- واللفظ للبخاري- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربّ، وأيّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحلّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا».
٦- تكون تقوى الله أي التزام أوامره واجتناب نواهيه بقدر الطاقة، للآية هنا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقوله في آية أخرى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة ٢/ ٢٨٦].
ورأى جماعة مثل قتادة أن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران ٣/ ١٠٢]. ورأى آخرون: ألا تعارض بين الآيتين، لأن قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون، لأنه فوق الطاقة والاستطاعة.
ورأى كثير من المفسرين مثل مجاهد أن المراد بآية: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ: أن يطاع سبحانه فلا يعصى. ولا خلاف بين المفسرين أن هذه الآية نزلت بسبب قوم كفار تأخروا عن الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام بتثبيط أولادهم إياهم عن ذلك، كما تقدم.
٧- أمر الله بالسمع والطاعة، أي سماع ما يوعظ به المؤمنون، وإطاعة ما أمر الله به، والانتهاء عما نهى عنه.
٨- أمر الله أيضا بالإنفاق من الأموال في حق الله كالزكاة والصدقة النفل والنفقة في الجهاد، ونفقة الرجل لنفسه وعياله، فالآية عامة.
ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: عندي دينار؟ قال: أنفقه على نفسك، قال:
عندي آخر، قال: أنفقه على عيالك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به»
فبدأ بالنفس والأهل والولد، وجعل الصدقة بعد ذلك، وهو الأصل في الشرع.
والإنفاق في الحقيقة خير للنفس، لما فيه من ثواب جزيل عند الله، لذا قال سبحانه: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
٩- أكد الله تعالى الحث على الإنفاق في سبيل الله، فقال: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وقال: وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ فالله تعالى رتب على القرض الحسن المنفق بإخلاص وطيب نفس تضعيف ثواب القرض وغفران الذنوب، وأبان أنه شكور يحب المتقرّبين إلى حضرته، يجزي بالكثير على القليل، وأنه حليم لا يعجل بالعقوبة. والقرض الحسن: التصدق من
الحلال بإخلاص وطيب نفس، كما تقدم.
١٠- زاد الله تعالى الحث على الإنفاق تأكيدا، فقال: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي إن الله مطلع على كل ما غاب وحضر، وهو الغالب القاهر، المحكم الصنع والتدبير، خالق الأشياء، واهب الأرزاق، وهذا دليل على كمال علم الله سبحانه وكمال قدرته.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطلاقمدنية، وهي اثنتا عشرة آية.
تسميتها:
سميت سورة الطلاق، لبيان أحكام الطلاق والعدة فيها، وافتتاحها بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ...
مناسبتها لما قبلها:
تتعلق هذه السورة بما قبلها من وجهين:
١- أنه قال في أواخر التغابن: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ولما كانت عداوة الأزواج قد تفضي إلى الطلاق، وعداوة الأولاد قد تؤدي إلى القسوة وترك الإنفاق عليهم، عقب ذلك بسورة فيها أحكام الطلاق والإنفاق على الأولاد وعلى المطلقات.
٢- أشار الله تعالى في آخر التغابن إلى كمال علمه بقوله: عالِمُ الْغَيْبِ وأشار في آخر هذه السورة إلى كمال علمه بمصالح النساء وبالأحكام الخاصة بطلاقهن، فكأنه بيّن ذلك العلم الكلي بهذه الجزئيات.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة المدنية بيان الأحكام التشريعية التي تنظم حال الأسرة أثناء قيامها وبعد انفصال الزوجين. صفحة رقم 261
شرعت السورة في الكلام على أحكام الطلاق السّنّي الذي يستقبل به العدة، وأحكام العدة وإحصاء وقتها مع تقوى الله ورقابته في إعلان انقضائها.
وأمرت الأزواج بعدئذ بالإمساك بالمعروف أو المفارقة بالإحسان. وأشادت في مجال العلاقات الزوجية وغيرها بتقوى الله والتوكل عليه.
ثم أبانت حكم عدة المرأة اليائس من المحيض التي انقطع دمها لكبر أو مرض، وعدة الصغيرة التي لم تحض، ومدتهما واحدة وهي ثلاثة أشهر. وأردفت ذلك ببيان عدة المرأة الحامل وهي وضع الحمل.
واقتضى البيان توضيح حكم النفقة والسكنى أثناء العدة، وحكم إعطاء الأجر على الرضاع، وتقدير النفقة يسارا وإعسارا، وتخلل ذلك الأمر بالتقوى منعا من الظلم وتجاوز الحدود.
وختمت السورة بالتحذير من مخالفة الأحكام وتعدي حدود الله، وهددت بالعقوبة المماثلة لعقوبات الأمم الباغية التي تخطت أوامر الله، وكررت الأمر بالتقوى، وذكّرت بمهمة الرسول ﷺ وهي تلاوة آيات الله لإخراج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وأوضحت جزاء الإيمان والعمل الصالح، ثم أوردت البرهان القاطع على قدرة الله الشاملة وعلمه الواسع بخلق السموات السبع والأرضين السبع، وتنزل وحي الله وأمره وقضائه بين السموات والأرض.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي