ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

الآية ١٦ وقوله تعالى : فاتقوا الله ما استطعتم قال بعضهم : نسخت هذه الآية قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته [ آل عمران : ١٠٢ ] حين١ أمر ههنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه.
ولكن هذا لا يستقيم لأن قوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته لا يراد به الاتقاء في ما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة. لكنه إن كان [ فوجهه أن ]٢ اتقوا الله حق تقاته وإن هلكت فيه طاقتكم، لأنه أمرهم بتقوى، تهلك بها٣ طاقتهم على ما قال : ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم [ النساء : ٦٦ ] ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز، ولكنه [ أمر أن ]٤ تهلك طاقتهم فيه. فكذلك الأول. ثم قال : فاتقوا الله ما استطعتم تخفيفا عليهم وتيسيرا، والله أعلم.
ولكن الكلام في أن كيف قال : فاتقوا الله ما استطعتم ولم يكن يتقى لولا هذه الآية إلا ما يستطاع٥.
ولكن معناه، والله أعلم، على جهة البشارة أنكم إذا قصدتم قصد التقوى آتاكم الله الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا [ العنكبوت : ٦٩ ] وقوله تعالى : فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى [ الليل / ٥ و٦ و٧ ].
وهذه الآية على المعتزلة، لأنهم يقولون : إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل، وتتقدم على الفعل. ولو كان كذلك كان يجعل قوله : فاتقوا الله ما استطعتم استطاعة، زالت عنهم، وكذلك قوله، جل ثناؤه : فخذها بقوة [ الأراف : ١٤٥ ] وكذلك قوله تعالى : خذوا ما آتيناكم بقوة [ البقرة : ٦٣ و. . . ] زالت عنهم. وهذا٦ مستحيل.
والذي يؤيد قولنا قوله، جل ثناؤه : فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [ المجادلة : ٤ ] والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل.
فأما قيل ذلك، إن كان مستطيعا أو غير مستطيع، فهو سواء : قوله تعالى : واسمعوا أي٧ اسمعوا إلى ما أمركم الله تعالى به ورسوله، و٨ قوله تعالى : وأطيعوا بمعنى أجيبوا لما أمركم الله تعالى به وإلى ما دعاكم الله ورسوله لقوله صلى الله عليه وسلم ٩ :( سمع الله لمن حمده )[ أبوداوود١١٨٠ ] أي أجابه.
وقوله تعالى : وأنفقوا خيرا لأنفسكم أي وأنفقوا مما رزقتم [ يكن ]١٠ خيرا لكم من أن تدعوا للإجابة لما أمركم، والإنفاق مما رزقكم.
وقوله تعالى : ومن يوق شح نفسه قال سفيان بن عيينة : أي ومن يوق ظلم نفسه، والشح : الظلم ؛ أضاف الوقاية إلى نفسه ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله تعالى بلطفه وكرمه.
ألا ترى إلى [ قوله تعالى ]١١ : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ؟ [ التحريم : ٦ ] كيف علمهم ذلك التقوى بقوله : وقنا عذاب النار [ البقرة : ٢٠١ و. . . ] ليعلم أن جميع أفعال العباد إنما تقوم، وتصح بتدبير الله تعالى وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم.
ثم قوله تعالى : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فيه أوجه من الدلالة :
أحدها : أن قوله تعالى : ومن يوق شح نفسه لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح. وكذلك في قوله تعالى : إن ينصركم الله فلا غالب لكم [ آل عمران : ١٦٠ ] إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب.
وقد يرى في الشاهد من لا يوقى شح نفسه البتة، ومن قد يوقى شح نفسه، ولا يفلح، ويرى من يجاهد أعداءه، فيغلب مع ما وعده، وأخبره١٢ أنه هو الغالب وأنه لا يغلب ؛ فلا بد[ في ]١٣ ذلك من أحد وجوه١٤ :
إما أن لم يكن لله تعالى النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى فهو كاذب في ما ادعى.
وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه، فلم يفلح، فصار كاذبا في خبره.
وإما أن كانت المعتزلة في ما زعموا أن الله تعالى، قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزائنه شيء، يؤتيه ليبقى به شح نفسه، كذبة.
وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله تعالى أو إلى المعتزلة كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين في ما أخبروا، وإن١٥ الله تعالى في ما أخبر صادق، وإن١٦ في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، والله المستعان.
[ والثاني ]١٧ : دلالة على إبطال قول من قال : إن على الكفرة أداء هذه العبادات والحقوق واجبة ؛ وذلك أن الله تعالى وعد١٨ في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق، فقد أفلح.
وقد نرى الكافر في الشاهد يوقى شح نفسه، ويؤدي حقوق أمواله، ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح، ولو كان [ يرى أن ]١٩ عليه هذه الحقوق واجبة لكان يحصل له الفلاح.
فثبت أنه ليس عليه أداؤها، وإنما عليه قبولها، والله أعلم.
[ والثالث : دلالة ]٢٠ أن صاحب الكبيرة، قد يرجى له الفلاح، وإن لم يتب على الكبيرة [ حتى ]٢١ مات، لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، وقد وعد الله عز وجل أن من يوق شح نفسه فهو من المفلحين / ٥٧٤- أ/ فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقى شح نفسه، فقد ثبت أنه يرجى [ له ]٢٢ الفلاح.

١ في الأصل وم: حيث.
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: فوجهان.
٣ في الأصل وم: به.
٤ ساقطة من الأصل وم.
٥ في الأصل: استطعنا.
٦ الواو ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، في الأصل إذ.
٨ في الأصل وم: أو يكون.
٩ ساقطة من الأصل وم.
١٠ ساقطة من الأصل وم.
١١ ساقطة من الأصل وم.
١٢ في الأصل وم: وأخبر.
١٣ ساقطة من الأصل وم.
١٤ في الأصل وم: وجهين.
١٥ الواوساقطة من الأصل وم.
١٦ الواوساقطة من الأصل وم.
١٧ في الأصل وم: وفيه.
١٨ في الأصل وم: أوعد.
١٩ ساقطة من الأصل وم.
٢٠ في الأصل وم: وفيه.
٢١ من م ساقطة من الأصل.
٢٢ من م ساقطة من الأصل.

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية