ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال : فاتقوا الله مَا استطعتم أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه : اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ [ آل عمران : ١٠٢ ] ومنهم قتادة والربيع بن أنس والسديّ وابن زيد. وقد أوضحنا الكلام في قوله : اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ومعنى واسمعوا وَأَطِيعُواْ أي اسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا الأوامر. قال مقاتل «اسمعوا » : أي أصغوا إلى ما ينزل عليكم، «وأطيعوا » لرسوله فيما يأمركم وينهاكم. وقيل معنى «اسمعوا » : اقبلوا ما تسمعون لأنه لا فائدة في مجرد السماع وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأنفُسِكُمْ أي أنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير ولا تبخلوا بها، وقوله : خَيْراً لأِنفُسِكُمْ منتصب بفعل مضمر دلّ عليه أنفقوا، كأنه قال : ائتوا في الإنفاق خيراً لأنفسكم، أو قدّموا خيراً لها، كذا قال سيبويه. وقال الكسائي والفرّاء : هو نعت لمصدر محذوف : أي إنفاقاً خيراً. وقال أبو عبيدة : هو خبر لكان المقدّرة : أي يكن الإنفاق خيراً لكم. وقال الكوفيون : هو منتصب على الحال، وقيل : هو مفعول به لأنفقوا : أي فأنفقوا خيراً. والظاهر : في الآية الإنفاق مطلقاً من غير تقييد بالزكاة الواجبة، وقيل : المراد زكاة الفريضة، وقيل : النافلة، وقيل : النفقة في الجهاد وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون أي ومن يوق شحّ نفسه فيفعل ما أمر به من الإنفاق ولا يمنعه ذلك منه فأولئك هم الظافرون بكل خير الفائزون بكل مطلب، وقد تقدم تفسير هذه الآية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ فاحذروهم في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم، فنزلت إلى قوله : فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه، وابن مردويه عن بريدة قال :«كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشقّ وواحداً من ذا الشقّ، ثم صعد المنبر فقال : صدق الله : إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ ، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما». وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يقول الله : استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول : وادهراه وادهراه، وأنا الدهر»، ثم تلا أبو هريرة إِن تُقْرِضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً يضاعفه لَكُمْ .


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية