المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف إنكار المشركين للألوهية، ثم إنكارهم للنبوة بقولهم : أبشر يهدوننا ثم أعقبه بأنهم سيلقون الوبال والنكال جزاء ما فعلوا- أردف ذلك بذكر إنكارهم للبعث، ثم بإثبات تحققه وأنه كائن لا محالة، وأن كل امرئ سيجازى بما فعل يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد حين يغبن الكفار في شرائهم، لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، ويفوز المؤمنون في تجارتهم بالصفقة الرابحة، لأن الله اشترى منهم أموالهم وأنفسهم بالجنة فضلا منه ورحمة.
شرح المفردات : يوم الجمع : هو يوم القيامة ؛ سمي بذلك لأن الله يجمع فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد، والتغابن، من قولهم : تغابن القوم في التجارة : إذا غبن بعضهم بعضا كأن يبيع أحدهم الشيء بأقل من قيمته، فهذا غبن للبائع، أو يشتريه بأكثر من قيمته، وهذا غبن للمشتري.
يوم يجمعكم ليوم الجمع أي وتذكروا يوم يجمع الله الأولين والآخرين للحساب والجزاء في صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لتجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب.
ونحو الآية قوله تعالى : ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود [ هود : ١٠٣ ] وقوله : قل إن الأولين والآخرين ( ٤٩ ) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم [ الواقعة : ٤٩-٥٠ ].
ذلك يوم التغابن فالكافرون قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم ولم يربحوا فيها، والمؤمنون باعوا أنفسهم بالجنة فربحت صفقتهم وما كانوا خاسرين، وفي الصحيح ( ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة، ليزداد حسرة ).
والخلاصة : إنه لا غبن أعظم من أن قوما ينعمون، وقوما يعذبون، وأن قوما مغبونين في الدنيا أصبحوا في الآخرة غابنين لمن غبنوهم فيها.
ثم بين هذا التغابن وفصله بقوله :
ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم أي ومن يصدق بالله ويعمل بطاعته ونيته إلى أمره ونهيه- يمح عنه ذنوبه ويدخله جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار لابثين فيها أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها، وذلك هو الفوز الذي لا فوز بعده، لانطوائه على النجاة من أعظم المهالك، وأجلّ المخاطر.
تفسير المراغي
المراغي