ﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍ

تمهيد :
يستعرض القرآن شبه الكافرين، حيث أنكروا البعث والحشر والحساب، فأقسم الحق أن البعث حق، ويتبعه الجزاء العادل، وأن البعث هيِّن يسير على الله، فمن خلق الخلق في الابتداء قادر على إعادتهم يوم القيامة.
ثم دعاهم الله إلى الإيمان بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن الكريم نورا وهداية، والله خبير ومطّلع على الظاهر والباطن.
سيجمع الله الخلق في يوم الجمع، حيث يجتمع فيه الأوّلون والآخرون، وهو يوم التغابن، فقد غُبِنَ الكافرون، وربح المؤمنون، فالمؤمنون باعوا دنياهم واشتروا جنة عرضها السماوات والأرض، أما الكفار فقد باعوا نصيبهم في الجنة بعرض قليل من الدنيا وزهرتها، ثم بين الله أن للمؤمن بالله – الذي عمل صالحا – جنات تجري من تحتها الأنهار، ونعم المصير مصير المتقين، أما الكافر فمآله جهنم وبئس المصير.
المفردات :
يوم التغابن : هو يوم القيامة، وسُمي يوم التغابن لأن الكافر غبن نفسه وظلمها بترك الإيمان، أما المؤمن فيغبن نفسه لتقصيره في الطاعات والإيمان.
التفسير :
٩- يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
في يوم القيامة يجمع الله الأولين ولذلك سمّي يوم الجمع، حيث يُحشر الناس من عهد آدم إلى قيام الساعة، في وقت واحد، ومكان واحد، يراهم المبصر، ويسمعهم السامع، وهذا اليوم له أسماء متعددة : فهو يوم القيامة، والحاقّة، والزلزلة، والساعة، والقارعة، والجاثية، وكلها أسماء تدل على الهول الكبير الذي يصيب الناس.
ومن أسماء يوم القيامة : التَّغَابُنِ. وأساس الغبن النقص في التجارة، والمغبون من باع صفقته بأقل من ثمنها.
وكأنما كانت الدنيا سباقا بين المؤمنين والكافرين، فاز في هذا السباق المؤمنون، وكان جزاؤهم الجنة، وخسر في هذا السباق الكافرون، وكان جزاؤهم النار، فالكافر مغبون لأنه باع نصيبه في الجنة بعرض فان من أعراض الدنيا، والمؤمن غبن الكافر، وأخذ مكانه في الجنة، فهو غبن معنوي، ففي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يدخل الجنة إلا اُري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة " xi ( أخرجه الترمذي في أبوب الزهد ).
قال القرطبي :
يوم التغابن. أي : يوم القيامة، ... وسمي يوم القيامة بيوم التغابن لأنه غبن فيه أهل الجنة أهل النار، أي أن أهل الجنة أخذوا الجنة، وأهل النار أخذوا النار على طريق المبادلة، فوقع الغبن على الكافرين، لأجل مبادلتهم الشر بالخير، والعذاب بالنعيم.
ثم فسّر القرآن التغابن ببيان الجزاء العظيم، والنعيم المقيم لأهل الجنة، والعذاب الأليم لأهل النار.
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .
فهذا هو الفريق الفائز في سباق التغابن، فريق من آمن بالله ربّا، وعمل عملا صالحا، فجزاؤه محو السيئات، ومغفرة الذنوب، ودخول الجنات تجري من تحتها الأنهار، والخلود الأبدي السرمدي في الجنة.
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
هؤلاء السابقون المتفوّقون، الفائزون بذلك الفوز العظيم، والجائزة الكبرى، والنعمة العظمى، ورضوان الله وكرامته، وجائزته في القيامة.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

شحاته

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير