النظرية وما يسرون فيها من عقائدهم الفاسدة ومقاصدهم الكاسدة وفى قوله وما تعلنون اشارة الى علماء الباطن من المشايخ والصوفية والى معارفهم ومواجيدهم الذوقية الكشفية وما يظهرون منها من الكرامات وخوارق العادات والله عليم بصدور عمل كل واحد من صدور قلوبهم بحسب الرياء والإخلاص والحق والباطل أَلَمْ يَأْتِكُمْ أيها الكفرة والالف للاستفهام ولم للجحد ومعناه التحقيق نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا اى خبر قوم نوح ومن بعدهم من الأمم المصرة على الكفر مِنْ قَبْلُ اى قبلكم فيكون متعلقا بكفروا او قبل هذا الوقت او هذا العصيان والمعاداة فيكون ظرفا لألم يأتكم فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ عطف على كفروا والذوق وان كان فى التعارف للقليل لكنه مستصلح للكثير والوبال الثقل والشدة المترتبة على امر من الأمور والوبل والوابل المطر الثقيل القطار مقابل الطل وهو المطر الخفيف وأمرهم كفرهم فهو واحد الأمور عبر عنه بذلك للايذان بأنه امر هائل وجناية عظيمة والمعنى فذاقوا فى الدنيا من غير مهلة ما يستتبعه كفرهم من الضرر والعقوبة وأحسوه احساس الذائق المعطوم يعنى پس چشيدن كران بارئ خود ودشوارئ سر انجام خويش وضرر كفر وعقوبت او در دنيا بغرق وريح صرصر وعذاب يوم الظلة وأمثال آن. وفى إيراد الذوق رمز الى ان ذلك المذوق العاجل شىء حقير بالنسبة الى ما سيرون من العذاب الآجل ولذلك قال تعالى وَلَهُمْ فى الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ اى مؤلم لا يقادر قدره وفيه اخبار بأن ما أصابهم فى الدنيا لم يكن كفارة لذنوبهم والا لم يعذبوا فى الآخرة بخلاف المؤمنين فان ما أصابهم فى الدنيا من الآلام والأوجاع والمصائب كفارة لذنوبهم على ما ورد فى الاخبار الصحيحة ذلِكَ اى ما ذكر من العذاب الذي زاقوه فى الدنيا وما سيذوقونه فى الآخرة بِأَنَّهُ اى بسبب ان الشان كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى بالمعجزات الظاهرة والباء اما للملابسة او للتعدية فَقالُوا عطف على كانت أَبَشَرٌ آيا آدميان مثل ما يَهْدُونَنا راه نمايند ما را. اى قال كل قوم من المذكورين فى حق رسولهم الذي أتاهم بالمعجزات منكرين لكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك ابشر وآدمي مثلنا يهدينا ويرشدنا الى الدين او الى الله والتقرب منه كما قالت ثمود ابشرا منا واحدا نتبعه أنكروا أن يكون الرسول بشرا ولم ينكروا أن يكون المعبود حجرا وقد أجمل فى الحكاية فأسند القول الى جميع الأقوام وأريد بالبشر الجنس فوصف بالجمع كما أجمل الخطاب والأمر فى قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وارتفاع بشر على انه فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده فيكون من باب الاشتغال وهو اولى من جعله مبتدأ وما بعده خبرا لان اداة الاستفهام تطلب الفعل ظاهرا او مضمرا قال القاشاني لما حجبوا بصفات نفوسهم عن النور الذي هو به يفضل عليهم بما لا يقاس ولم يجدوا منه الا البشرية أنكروا هدايته فان كان كل عارف لا يعرف معروفه الا بالمعنى الذي فيه فلا يوجد النور الكمالي الا بالنور الفطري ولا يعرف الكمال الا الكامل ولهذا قيل لا يعرف الله غير الله وكل طالب وجد مطلوبه بوجه ما
صفحة رقم 8
اى تبعثون فان بلى لايجاب النفي الذي قبله وقوله وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ اى لتحاسبن وتجزون بأعمالكم جملة مستقلة داخلة تحت الأمر واردة لتأكيد ما أفاده كلمة بلى من اثبات البعث وبيان تحقق امر آخر متفرع عليه منوط به ففيه تأكيد لتحقق البعث بوجهين فقوله وربى قسم لعل اختياره هاهنا لما ان فى البعث اظهار كمال الربوبية المفيدة لتمام المعرفة وإيثار دوام التربية بالنعم الجسمانية الظاهرة والنعم الروحانية الباطنة وقوله لتبعثن أصله لتبعثون حذفت واوه لاجتماع الساكنين بمجىء نون التأكيد وان كان على حده طلبا للخفة واكتفاء بالضمة وهو جواب قسم قبله مؤكد باللام المؤكدة للقسم وثم لتراخى المدة لطول يوم القيامة او لتراخى الرتبة وظاهر كلام اللباب أن يكون وربى قسما متعلقا بما قبله قدتم الكلام عنده وحسن الوقف عليه ويجعل لتبعثن بما عطف عليه جواب قسم آخر مقدر مستانف لتأكيد الاول لعل فائدة الاخبار بالقسم مع ان المشركين ينكرون الرسالة كما ينكرون البعث ابطال لزعمهم بالتشديد والتأكيد ليتأثر من قدر الله له الانصاف وتتأكد الحجة على من لم يقدر له وكان محروما بالكلية وَذلِكَ اى ما ذكر من البعث والجزاء عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ اى سهل على الله لتحقق القدرة التامة وقبول المادة وإذا كان الأمر كذلك فَآمِنُوا بصرف ارادتكم الجزئية الى اسباب حصول الايمان بِاللَّهِ الباعث من القبور المجازى على كل عمل ظاهر أو مستور وَرَسُولِهِ محمد ﷺ الذي اخبر عن شؤون الله تعالى وصفاته وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا اى أنزلناه على رسولنا وهو القرآن فانه بأعجازه بين بنفسه انه حق نازل من عند الله مبين لغيره ومظهر للحلال والحرام كما ان النور كذلك والالتفات الى نون العظمة لابراز كمال العناية وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الامتثال بالأمر وعدمه خَبِيرٌ فمجازيكم عليه يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ظرف لتنبؤن وما بينهما اعتراض او مفعول لا ذكر الظاهر ان الخطاب لمن خوطب اولا بقوله ألم يأتكم لِيَوْمِ الْجَمْعِ ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون من الجن والانس واهل السماء والأرض اى لاجل ما فيه من الحساب والجزاء وهو يوم القيامة فاللام للعهد اى جمع هذا اليوم عن النبي عليه السلام إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادى بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم اهل الجمع اليوم من اولى بالكرم ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادى ليقم الذين كانوا يحمدون الله فى البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون جميعا الى الجنة ثم يحاسب سائر الناس وقيل المراد جمع الله بين العبد وعمله وقيل بين الظالم والمظلوم او بين كل نبى وأمته ذلِكَ اليوم يَوْمُ التَّغابُنِ تفاعل من الغبن وهو أن تخسر صاحبك فى معاملة بينك وبينه بضرب من الإخفاء والتغابن أن يغبن بعضهم بعضا ويوم القيامة يوم غبن بعض الناس بعضا بنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس وفيه تهكم لان نزولهم ليس بغبن ان كون نزول الأشقياء منازل السعداء من النار لو كانوا أشقياء غبنا باعتبار الاستعارة التهكمية
صفحة رقم 10
والا فهم بنزولهم فى النار لم يغبنوا اهل الجنة وفى الحديث ما من عبد يدخل الجنة الا أرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا وما من عبد يدخل النار الا أرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة وتخصيص التغابن بذلك اليوم للايذان بأن التغابن فى الحقيقة هو الذي يقع فيه مالا يقع فى امور الدنيا فاللام للعهد الذي يشار به عند عدم المعهود الخارجي الى الفرد الكامل اى التغابن الكامل العظيم الذي لا تغابن فوقه قال القاشاني ليس التغابن فى الأمور الدنيوية فانها امور فانية سريعة الزوال ضرورية الفناء لا يبقى شىء منها لاحد فان فات شىء من ذلك او أفاته أحد ولو كان حياته فانما فات أو أفيت ما لزم فواته ضرورة فلا غبن ولا حيف حقيقة وانما الغبن والتغابن فى إفاتة شىء لو لم يفته لبقى دائما وانتفع به صاحبه سرمدا وهو النور الكمالي والاستعدادي فتظهر الحسرة والتغابن هناك فى اضاعة الربح ورأس المال فى تجارة الفوز والنجاة كما قال فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فمن أضاع استعداده او اكتسب منه شيأ ولم يبلغ غايته كان مغبونا بالنسبة الى الكمال التام وكأنما ظفر ذلك
الكامل بمقامه ومرامه وبقي هذا متحسرا فى نقصانه انتهى وقال الراغب يوم التغابن يوم القيامة لظهور الغبن فى المبايعة المشار إليها بقوله ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله وبقوله ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وقوله الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا فلعلهم غبنوا فيما تركوا من المبايعة وفيما تعاطوا من ذلك جميعا وسئل بعضهم عن يوم التغابن فقال تبدو الأشياء بخلاف مقاديرها فى الدنيا وقال بعضهم يظهر يومئذ غبن الكافر بترك الايمان وغبن المؤمن بتقصيره فى الإحسان وإذا دخل العارف الجنة ورآه صاحب الحال فانه يراه كما يرى الكوكب الدري فى السماء فيتمنى أن يكون له مثل مرتبة العارف فلا يقدر عليها فيتحسر على تفويته اسباب ذلك فى الدنيا وقد ورد لا يتحسر اهل الجنة فى الجنة إلا ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها قيل أشد الناس غبنا يوم القيامة ثلاثة نفر عالم علم الناس فعملوا بعلمه وخالف هو علمه فدخل غيره الجنة بعلمه ودخل هو النار بعمله وعبد أطاع الله بقوة مال سيده وعصى الله سيده فدخل العبد الجنة بقوة مال مالكه ودخل مالكه النار بمعصية الله وولد ورث مالا من أبيه وأبوه شح به وعصى الله فيه فدخل أبوه ببخله النار ودخل هو بانفاقه فى الخير الجنة
| بخور اى نيك سيرت وسره مرد | كان نكون بخت گرد كرد ونخورد |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء