ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ

ثم بين تصريف من بيده الملك، وعدد نعمه على مماليكه، ثم هدد من لم يشكرها بالخسف وإرسال الحاصب، فقال :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ * أَأَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ * وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ .
يقول الحق جلّ جلاله : هو الذي جعل لكم الأرضَ ذلولا ؛ مذلّلة ليّنة يسهل عليكم سلوكها. وتقديم ( لكم ) على مفعول الجعل ؛ للاهتمام والتشويق، فامشُوا في مناكبها ؛ جوانبها، وهو تمثيل لفرط التذلُّل، فإنَّ منكب البعير أرقّ أعضائه، وأصعبها على أن يطأها الراكب بقدميه، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يتأتى المشي في مناكبها، لم يبقَ منها شئ لم يتذلّل، وكُلوا من رزقه أي : والتمسوا من رزق الله في سلوكها، أو إذا تعذّر العيش في أرضٍ فامشوا في مناكبها إلى أرض أخرى، كما قال الشاعر :

أما سمعتِ وعجز المرء منقصَةٌ *** في محكم الوحي : فامشوا في مناكبها
يا نفس مالكِ تهوي الإقامةَ في أرض تعيش بين من ناواكِ بها
أو : كُلوا من رزق الله الخارج منها، وإِليه النُشورُ أي : الرجوع بالبعث، فتُسألون عن شكر هذه النعم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : هو الذي جعل لكم أرض البشرية مذلّلة للعبودية، والقيام بآداب الربوبية، فامشوا في مناكبها ؛ فسيحوا بقلوبكم في جوانبها، تفكُّراً واعتباراً لِما فيها من عجائب الإتقان، وبدائع الحِكم، فقد جمعت أسرار الوجود بأسره، وكُلوا من رزقه مما اكتسبه القلب بالنظر والتفكُّر، من قوة الإيمان، وهو قوت القلوب، وشهود الحق فيها، وهو قوت الأرواح والأسرار، وإليه النُشور ببعث الأرواح من موت الغفلة والجهل، إلى حياة اليقظة والمعرفة، أأمِنتم مَن في السماء أن يخسف بكم الأرض، أي : إذا أسأتم معه الأدب.
واعلم أن ذات الحق ـ جلّ جلاله ـ عمّت الوجود، فليست محصورة في مكان ولا زمان، فأينما تُولوا فَثَمّ وجه الله ، فأسرار ذاته ـ تعالى ـ سارية في كل شيء، قائمة بكل شيء، كما تقدّم، فهو موجود في كل شيء، لا يخلو منه شيء، أسرار المعاني قائمة بالأواني، وإنما خصّ الحق ـ تعالى ـ السماء بالذكر ؛ لأنها مرتفعة معظّمة، فناسب ذكر العظيم فيها، وعلى هذا تُحمل الأحاديث والآيات الواردة على هذا المنوال. وليس هنا حلول ولا اتحاد ؛ إذ ليس في الوجود إلاّ تجليات الحق، ومظاهر ذاته وصفاته، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فما مثال الكون إلا كجبريل حين يتطوّر على صورة دحية، غير أنَّ رداء الكبرياء منشور على وجه ذاته وأسرار معانيه، وهو ما ظهر من حسن الكائنات، وما تلوّنت به الخمرة من أوصاف العبودية. ولا يفهم هذا إلاَّ أهل الذوق السليم. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير