المعنى الجملي : بعد أن أوعد الكفار بما أوعد، وبالغ في ترهيبهم بما بالغ- وعد المؤمنين بالمغفرة والأجر الكريم، ثم عاد إلى تهديد الكافرين بأنه عليم بما يصدر منهم في السر والعلن، وأقام الدليل على ذلك بأنه هو الخالق، فلا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل يصل علمه إلى ظواهر أمورهم وبواطنها، ثم عدد نعماءه عليهم، فذكر أنه عبّد لهم الأرض وذللها لهم، وهيأ لهم فيها منافع من زروع وثمار ومعادن، فليتمتعوا بما أوتوا ثم إلى ربهم مرجعهم، وإليه بعثهم ونشورهم.
شرح المفردات : ذلولا : أي سهلة منقادة يسهل عليكم السير فيها، والانتفاع بها وفيما فيها، والمناكب : واحدها منكب، وهو مجتمع ما بين العضد والكتف، والمراد : طرقها وفجاجها، النشور : أي المرجع بعد البعث.
ثم نبّه إلى نعمه على عباده فقال :
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه أي إن ربكم هو الذي سخر لكم الأرض وذللها لكم، فجعلها قارة ساكنة، لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأوجد فيها من العيون، لسقيكم وسقي أنعامكم وزروعكم وثماركم، وسلك فيها السبل، فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وتردّدوا في أرجائها، لأنواع المكاسب والتجارات، وكلوا مما أوجده لكم فيها بفضله، من واسع الأرزاق، والسعي في الأرزاق لا ينافي التوكل على الله. روى أحمد عن عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصا وتروح بطانا ) فأثبت لها غدوا ورواحا لطلب الرزق مع توكلها على الله عز وجل، وهو المسخر الميسر المسبب.
وأخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرة قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوم فقال : من أنتم ؟ فقالوا : المتوكلون، قال : بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل رجل ألقى حبه في بطن الأرض وتوكل على الله عز وجل.
وجاء في الأثر :" إن الله يحب العبد المؤمن المحترف ".
وفي الآية إيماء إلى ندب التجارة والتكسب بجميع ضروبه، وفيها تهديد للكافرين كأنه قال لهم : إني عالم بسركم وجهركم، فاحترسوا من عقابي، فهذه الأرض التي تمشون في مناكبها، أنا الذي ذللتها لكم، وجعلتها سببا لنفعكم، وإن شئت خسفتها بكم، وأنزلت عليها ألوانا من المحن والبلاء.
وإليه النشور أي وإليه المرجع يوم القيامة، فينبغي أن تعلموا أن مكثكم في الأرض، وأكلكم مما رزقكم الله فيها، مكث من يعلم أن مرجعه إلى الله، ويتيقن أن مصيره إليه، فاحذروا الكفر والمعاصي في السر والعلن.
تفسير المراغي
المراغي