ثم تمم بيان الملك الذي بيده ؛ بإمساك الطير في جو الهواء، وبالنصر لمن لاذ به على الأعداء، وبإتيان الرزق من غيب السماء، فقال :
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَانُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرَّحْمَانِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ * أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ * أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : أَوَلَمْ يَرَوُا أي : أَغَفلُوا ولم ينظروا إِلى الطيرِ ؛ جمع طائر فوقهم في الهواء صافاتٍ ؛ باسطاتٍ أجنحتها في الجو عند طيرانها ويقبِضْنَ ؛ ويضممنها إذا ضربن بها حيناً فحيناً، للاستظهار به على التحرُّك، وهو السر في إيثار ( ويقبضن ) الدال على تجدُّد القبض تارة بعد تارة على " قابضات "، ف " يقبضن " : معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى، أي : يصففن ويقبضن، أو : صافات وقابضات. والطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة : مدّ الأطراف وبسطها، وأمّا القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرُّك. ما يُمسِكُهُنَّ في الجو عند البسط والقبض على خلاف مقتضى الطبع، إلاَّ الرحمنُ الواسع رحمته كل شيء، ومن جملتها : إمساكه الطير في الهواء بقدرته، وإلا فالثقيل يسفل طبعاً ولا يطفو، وكذلك لو أمسك حِفظَه وتدبيره للعالم، لتهافت وتلاشى. إِنه بكل شيءٍ بصيرٌ يعلم كيفية إبداع المبدعات، وتدبير المصنوعات، ومن مبدعاته : أنَّ الطير على أشكال وخصائص، هيّأهن للجري في الهواء.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي