أمّنْ هذا الذي يرزقكم إِنْ أمسك اللهُ عزّ وجل رزقَه بإمساك المطر وسائر مبادئه، أي : مَن هذا الحقير الذي يقدر على إتيان رزقكم من آلهتكم إن أمسكه الله ؟ بل لَجُّوا في عَتُوٍّ ونفورٍ ، إضراب عن مُقدّر يستدعيه المقام، كأنه قيل بعد تمام التبكيت والتعجيز : لم يتأثروا بشيء من ذلك، ولم يذعنوا للحق، بل لجُّوا أي : تمادوا في عتوٍّ أي : استكبار وطغيان ونفورٍ ؛ وشُرود عن الحق لِثقله عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أَوَلَم يَرَوا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلةً ورفعة، صافاتٍ، تجول في ميادين الغيوب، ويقبضن عنانهن، عكوفاً في الحضرة، وسكوناً في النظرة، ما يُمسِكُهن فيها إلاَّ الرحمان الذي مَنَّ عليهم برحمته، فأسكنهم فيها، إنه بكل شيء بصير، فيُبصر مَن توجه إليه ومَن لا، أمَّنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم على طريق السلوك، ويُبلغكم إلى حضرة مالك الملوك، من دون الرحمان ؟ إنِ الكافرون بهذا إلاّ في غرور، حيث حسبوا أنَّ وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم، أمَّن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير، إن أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلاَّ القليل، بل لجُّوا في عُتو ونفور، أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف، أهدى أمَّنْ يمشي سويًّا سالماً من الانحراف، على صراط مستقيم، تُوصله إلى حضرة العيان، وهو مَن سلك الطريق على يد الخبير، بل مَن سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته، لتستدلوا عليه بالأدلة السمعية والعقلية، ثم تَتَرَقون إلى صريح معرفته، بسلوك الطريق على يد الخبير، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية، وإليه تُحشرون بشهود عظمة الربوبية.