ثم ضرب مثلاً للمشرِك والموحِّد، فقال : أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه أي : ساقطاً على وجهه أهْدى ، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حالهم، وسقوطهم في مهاوي الغرور، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور. والمُكب : الساقط على وجهه، والمعنى : أفمن يمشي وهو يعثر في كل ساعة، ويخرّ على وجهه في كل خطوة، أهدى إلى المقصود أَمَّنْ يمشي سَوِياً أي : قائماً سالماً من الخبط والعِثار على صراط مستقيم مستوي الأجزاء لا عوج فيه، ولا انحراف ؟ و " من " الثانية : معطوفة على الأُولى عطف المفرد. وقيل : المراد بالمكب : الأعمى، وبالسوي : البصير. وقيل : مَن يمشي مُكباً هو الذي يُحشر على وجهه إلى النار، ومَن يمشي سويًّا : الذي يُحشر على قدميه إلى الجنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أَوَلَم يَرَوا إلى طيور أفكار العارفين فوقهم منزلةً ورفعة، صافاتٍ، تجول في ميادين الغيوب، ويقبضن عنانهن، عكوفاً في الحضرة، وسكوناً في النظرة، ما يُمسِكُهن فيها إلاَّ الرحمان الذي مَنَّ عليهم برحمته، فأسكنهم فيها، إنه بكل شيء بصير، فيُبصر مَن توجه إليه ومَن لا، أمَّنْ هذا الذي هو جند لكم ينصركم على طريق السلوك، ويُبلغكم إلى حضرة مالك الملوك، من دون الرحمان ؟ إنِ الكافرون بهذا إلاّ في غرور، حيث حسبوا أنَّ وصولهم بحسب جهادهم وطاعتهم، أمَّن هذا الذي يرزقكم إمداد قلوبكم من العلوم والمعارف واليقين الكبير، إن أمسك رزقه فلم يتوجه إليكم إلاَّ القليل، بل لجُّوا في عُتو ونفور، أفمن يمشي مُكبًّا على وجهه، حيث رام سلوك الطريق بلا شيخ ولا دليل عارف، أهدى أمَّنْ يمشي سويًّا سالماً من الانحراف، على صراط مستقيم، تُوصله إلى حضرة العيان، وهو مَن سلك الطريق على يد الخبير، بل مَن سلكه على يد الخبير أهدى وأصوب، قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم دلائل السلوك إلى معرفته، لتستدلوا عليه بالأدلة السمعية والعقلية، ثم تَتَرَقون إلى صريح معرفته، بسلوك الطريق على يد الخبير، قل هو الذي ذرأكم في أرض العبودية، وإليه تُحشرون بشهود عظمة الربوبية.