وقال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجومًا للشياطين (١)؛ فذلك قوله: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ قال ابن عباس: يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع (٢).
قال أبو علي: فإن قيل: كيف يجوز أن تكون المصابيح زينة مع قوله: وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، فالقول إنها إذا جعلت رجومًا (٣) لهم لم تزل فتزول الزينة بزوالها، ولكن يجوز أن ينفصل منها نور يكون رجمًا للشياطين كما ينفصل من السرج وسائر ذوات الأنوار ما لا يزول بانفصالها منها صورتها (٤). وهذا كما قال بعض أهل المعاني: ينفصل من الكوكب شهاب نار (٥)، وهذا كقوله: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا الآية [الحجر: ١٦]، وقوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا... الآية [الصافات: ٦].
قوله تعالى: وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ، أي: في الآخرة عَذَابَ السَّعِيرِ قال المبرد: سعرت النار فهي مسعورة وسعير، كقوله: مفتولة وفتيل (٦).
٧ - قوله: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا قال مقاتل: صوتًا مثل أول
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٢/ ١٥٦ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٧٠، ولم ينسب لقائل، وهو ظاهر.
(٣) في (س): (رجومًا) زيادة.
(٤) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٥٩، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢١١.
(٥) انظر: "روح المعاني" ٢٩/ ٩.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٢.
صوت الحمار (١). وقال عطاء: يريد: سمعوا لأهلها شهيقًا (٢)، فجعل (٣) الشهيق لأهل جهنم دونها. والقول هو الأول (٤).
وقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير (٥).
وقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ (٦). وتفسير الشهيق قد سبق (٧).
قوله وَهِيَ تَفُورُ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين (٨).
(٢) انظر: " التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٣.
(٣) في (ك): (فجعلها).
(٤) ومنه قوله تعالى: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا [الفرقان: ١٢] قال ابن المنير: لا حاجة إلى حمله على المجاز فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تضافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا حسيًّا وعقليًّا. ألا ترى إلى قوله: سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها.. "حاشية الكشاف" ٣/ ٩٠.
(٥) انظر: "معاني الزجاج" ٥/ ١٩٩.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٣.
(٧) عند تفسيره الآية (١٠٦) من سورة هود. الشهيق ردُّ النَّفس. يقال: شَهَقَ يشهَق ويشهِق ويشهُق شهيقًا، وبعضهم يقول: شهوقًا. ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد. وهو قول جميع أهل اللغة. والشهيق آخر صوت الحمار إذا نهق. وقيل: الشهق في الصدر. وعن ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" ١٥/ ٢٤٧ (فاز)، و"اللسان" ٢/ ١١٤٣ (فور).
قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل (١).
وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل (٢). ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب.
قال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا (٣). يدل على هذا المعنى قوله: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى (٤) قول المفسرين، وأهل المعاني: قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار (٥).
وقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا (٦). ولفظ المفسرين في تفسير: تَمَيَّزُ: تفرق (٧).
قوله تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ الفوج: الجماعة من الناس. والأفواج: الجماعات في تفرقة (٨)؛ ومنه قوله: فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨].
وقوله: سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا وهو سؤال توبيخ. قال أبو إسحاق: وهذا
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٥٦ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢١٢، و"الدر" ٦/ ٢٤٨.
(٣) في (ك): (غيضًا) وانظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٣.
(٤) في (س): (المعنى) زيادة.
(٥) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٤٧٤.
(٦) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٣.
(٧) وهو قول ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل.
انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ١٠٧، و"تفسير مقاتل" ١٦١ ب، و "جامع البيان" ١٢/ ٢٩/ ٤، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٣٩٧.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" ١١/ ٢١٢، و"اللسان" ٢/ ١١٤٢ (فوج).
التوبيخ زيادة لهم في العذاب (١).
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ قال ابن عباس في رواية الكلبي (٢) وعطاء: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله (٣). وهذا يدل على أن الله تعالى لم يخلق لهم سمع الهدى ولا معرفته، لأنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ولم يريدوا بقولهم: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى.
وقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار (٤).
قال الله تعالى: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل (٥)، وهو قولهم: فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء (٦). ويجوز أن يراد بالواحد المضاف الشياع، كقوله: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨]، وقد مر في مواضع.
(٢) في (س): (الكلبي و) زيادة.
(٣) انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ١٠٧، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٥٦ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٤٧١.
(٤) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٩٩.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦١ ب.
(٦) انظر: "معاني القرآن" ٣/ ١٧١.
وقوله (١): فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ قال المفسرون: فبعدًا لهم (٢). والسحق: البعد، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل (٣) كما تقول في العُنق والطنب (٤)؛ وذكرنا الكلام فيه عند قوله: فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج: ٣١]. قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر. المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة (٥).
قال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال:
وإن أهلك فذلك كان قدري (٦)
أي: تقديري (٧).
ثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: وإِنَّ اَلَّذِينَ
(٢) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٦٥. وقال ابن جبير فيما أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٥٣٩: وادٍ في جهنم.
(٣) قرأ الكسائي {فَسُحْقًا بضم الحاء، وقرأ الباقون فَسُحْقًا بتخفيفها.
انظر: "حجة القراءات" ص ٧١٦، و"النشر" ٢/ ٢١٧، و"الإتحاف" ص ٤٢٠، و"معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٧١.
(٤) تقول العنق والعنق، والطنب والطنب، والطنب هو حبل الخباء والسرادق ونحوهما. "اللسان" ٢/ ٦١٧ (طنب).
(٥) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ١٩٩.
(٦) للشاعر يزيد بن سنان: وهو بتمامه:
انظر: "أمالي ابن الشجري" ٢/ ١١٠، و"المخصص" ٩/ ٩٢، و"المفضليات" ص ٧١، و"الحجة" ٢/ ١٢٨.فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يهلك فذلك كان قدري
(٧) انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٣٠٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي