قالوا بلى قد جاءنا نذيرٌ ، اعترفوا بعدل الله، وأنَّ الله أزاح عذرهم ببعث الرسل، وإنذارهم ما وقعوا فيه، تحسُّراً على ما فاتهم من السعادة، وتمهيداً لِما وقع منهم من التفريط تندُّماً واغتماماً على ذلك، فكذَّبنا ذلك النذير في كونه نذيراً من جهته تعالى : وقلنا ما نزَّل اللهُ من شيءٍ مما يقولون من وعد ووعيد، وغير ذلك، إِن أنتم إِلاَّ في ضلالٍ كبير أي : قال الكفار للمنذِّرين : ما أنتم إلاّ في خطأ عظيم، بعيد عن الصواب.
وجمع ضمير الخطاب مع أنَّ مخاطب كل فوج نذيرُه ؛ لتغليبه على أمثاله، مبالغةً في التكذيب، وتمادياً في التضليل، كما ينبئ عنه تعميم المنزل مع ترك ذكر المنزل عليه، فإنه مُلوح لعمومه حتماً، أو : إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل. ويجوز أن يكون قوله : إن أنتم إلا في ضلال كبير من كلام الخزنة للكفار، على إرادة القول، ومرادهم بالضلال : الهلاك، أو : سمُّوا جزاء الضلال باسمه، كقوله : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا [ الشورى : ٤٠ ] مشاكلة، أو : يكون من كلام الرسل، حكوه للخزنة، أي : قالوا لنا هذا فلم نهتبله١.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي