ﯫﯬﯭﯮ

وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :«تَبْكِي السَّماءُ على رجُلٍ أصحَّ اللَّهُ جِسْمهَ ورحَّبَ جوفه، وأعطاهُ من الدُّنْيَا بعضاً، فكانَ للنَّاسِ ظلُوماً، فذلك العُتُلَّ الزَّنِيمُ »١.
وقوله :«بَعْدَ ذلِكَ » أي مع ذلك، يريد ما وصفناه به «زنيم » وتقدم معنى الزنيم. وعن ابن عباس : أنه رجل من قريش كانت له زنمة كزنمة الشاة٢.
وروى عنه ابن جبير : أنه الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها٣.
وقال عكرمة : هو الذي يعرف بلؤمه، كما تعرف الشاة بزنمتها٤.
وقيل : إنه الذي يعرف بالأبنة، وهو مروي عن ابن عباس، وعنه : إنه الظلوم.
وقال مجاهدٌ :«زَنِيمٍ » كانت له ستة أصابع في يده في كل إبهام له أصبع زائدة٥.
وعنه أيضاً وسعيد بن المسيب وعكرمة : هو ولد الزنا الملحق في النسب بالقوم٦.
وكان الوليد دعياً في قريش ليس من سنخهم، ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده.
قال الشاعر :[ الوافر ]
٤٨١٦ - زَنِيمٌ ليْسَ يُعرفُ من أبُوهُ*** بَغِيُّ الأمِّ ذُو حسبٍ لَئِيم٧
قيل : بغتْ أمه ولم يعرف حتى نزلت الآية، وهذا لأن الغالب أن النطفة إذا خبثت خبث الولدُ، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«لا يَدْخلُ الجنَّة ولدُ زِنَا، ولا ولَدُ وَلدِهِ »٨.
وقال عبد الله بن عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«إنَّ أوْلادَ الزِّنَا يُحشَرُونَ يومَ القِيامةِ في صُورةِ القِرَدةِ والخَنازِيرِ »٩.
وقالت ميمونة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :«لا تَزالُ أمَّتِي بخيْرٍ، مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ ولدُ الزِّنَا، فإذا فَشَى فيهِمْ ولدُ الزِّنَا أوشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بعذابٍ »١٠.
وقال عكرمة : إذا كثر ولد الزنا قحط المطر١١.
قال القرطبي١٢ : ومعظم المفسرين على أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان يطعم أهل منى حيساً ثلاثة أيام، وينادي ألا لا يوقدن أحدكم تحت بُرمةٍ، ألا لا يدخنن أحد بكُراع، ألا ومن أراد الحيس فليأت الوليد بن المغيرة، وكان ينفق في الحجة الواحدة عشرين ألفاً، أو أكثر، ولا يعطي المسكين درهماً واحداً ؛ فقيل :«منَّاعٍ للخَيرِ »، وفيه نزل : وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة [ فصلت : ٦، ٧ ].
وقال محمد بن إسحاق : نزلت في الأخنس بن شريق ؛ لأنه حليف ملحق في بني زهرة، فلذلك سمي زنيماً. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : في هذه الآية نُعت، فلم يعرف، حتى قتل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها١٣.
قال ابن قتيبة : لا نعلم أن الله وصف أحداً، ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة، وألحق به عاراً لا يفارقه في الدنيا والآخرة.

فصل :


قرأ الحسن :«عُتُلٌّ » بالرفع، أي هو عتل.
وحقه أن يقرأ ما بعده بالرفع أيضاً، لأنهم قالوا في القطع : إنه يبدأ بالإتباع، ثم بالقطع من غير عكس، وقوله :«بَعْدَ ذلِكَ » أي : بعدما وصفناه به.
قال ابن عطية١٤ : فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصفِ، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا فكونه عتلاًّ هو قبل كونه صاحب خير يمنعه.
وقال الزمخشريُّ١٥ :«بَعْدَ ذَلِكَ » أي : بعدما عد له من المثالب، والنقائصِ، ثم قال : جعل جفاءه ودعوته أشد معايبه، لأنه إذا غلظ وجفا طبعه، قسا قلبُه واجترأ على كل معصية.
ونظير قوله : بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين [ البلد : ١٧ ].
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٣) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وابن المنذر عن زيد بن أسلم..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٩٣) وزاد نسبته إلى ابن مردويه..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٦)..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٨)..
٥ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٥٣) عن مجاهد..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٨٦) عن سعيد بن المسيب..
٧ ينظر القرطبي (١٨/١٥٣) والدر المنثور ٦/٣٩٢..
٨ أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/٢٤٩) من حديث أبي هريرة وذكره الشيخ علي القاري في "الأسرار المرفوعة" (ص٢٦٨) وقال: زعم ابن طاهر وابن الجوزي أن هذا الحديث موضوع لكن رواه أبو نعيم في "الحلية" عن مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا وأعله الدارقطني بأن مجاهدا لم يسمعه من أبي هريرة..
٩ ذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٠٤) وقال: موضوع..
١٠ أخرجه أحمد (٦/٣٣٣) من حديث ميمونة.
وأخرجه أيضا أبو يعلى (١٣/٦) رقم (٧٠٩١) والطبراني في "الكبير" (٢٤/٢٣) رقم (٥٥).
والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/٢٦٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني... وفيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع فالحديث صحيح أو حسن..

١١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٥٣)..
١٢ ينظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٥٤..
١٣ ينظر: الكشاف ٤/٥٨٧، ٥٨٨، والبحر المحيط ٨/٣٠٤، والدر المصون ٦/٣٥٢..
١٤ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٤٨..
١٥ ينظر: الكشاف ٤/٥٨٧..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية