الجزء العاشر
سورة القلم
مكّية، وهي اثنان وخمسون آية، وثلاث مائة كلمة، وألف ومائتان وستّة وخمسون حرفا
أخبرنا محمد بن القيّم أخبرنا محمد بن طه حدّثنا إبراهيم بن شريك حدّثنا أحمد بن عبد الله حدّثنا سلام بن سليم حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن ابنه عن أبي أمامة بن كعب، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ سورة ن وَالْقَلَمِ أعطاه الله تعالى ثواب الذين حسّن الله أخلاقهم» [١] «١».
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ٤]بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)ن اختلف القراء فيه، فأظهر بعضهم نونه، وأخفاها الآخرون، وقرأ ابن عباس (نِ) بكسر النون على إضمار حرف القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعّل، واختلف المفسّرون في معناه، فقال مجاهد ومقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي والكلبي:
هو الحوت الذي يحمل الأرض، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثمّ رفع فخلق الماء فخلق منه السماوات، ثمّ خلق النون فبسط الأرض على ظهر النون، فتحرّكت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنّ الجبال لتفخر على الأرض، ثمّ قرأ ابن عباس: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ واختلفوا في اسمه:
فقال الكلبي ومقاتل: يهموت، وقال أبو اليقظان والواقدي وأبو كعب: لوسا،
وقال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: يلهوت
، وقال الراجز.
| ما لي أراكم كلكم سكوتا | والله ربي خالق اليلهوتا «٢» |
(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٤ وفيه: البهموتا.
فهبط إلى الأرض حتّى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها ولم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقر قدماه، فاحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها مسيرة خمس مائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كلّ يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر، وإذا مدّ نفسه جزر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الآية «١»، فلم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وبسائر جانبه، والحوت على البحر على متن الريح، والريح على القدرة وثقل الدنيا كلّها بما عليها حرفان من كتاب الله تعالى قال لها الجبّار:
كوني، فكانت.
وقال كعب الأحبار: إنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلّها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتيا من الأمم والدواب والشجر والجبال وغيرها لو نفضتهم ألقيتهم من ظهرك أجمع، قال: فهمّ لوتيا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابّة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فضج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن لها فخرجت، قال كعب: والذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت.
وقال بعضهم: هي آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: الر وحم ون، حروف الرحمن تبارك وتعالى مقطعة.
وقال الحسن وقتادة والضحاك: النون: الدواة، وهي رواية ثابت اليماني عن ابن عباس، وقال فيه الشاعر:
| إذا ما الشوق يرح بي إليهم | ألقت النون بالدمع السجوم |
وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به، ابن كيسان: فاتحة السورة، عطاء: افتتاح اسمه نور وناصر ونصير «٣» [القرظي] : أقسم الله تعالى بنصرته المؤمنين بيانه قوله:
(٢) راجع تفسير الطبري: ٢٩/ ٢١.
(٣) في تفسير القرطبي (١٥/ ٢٨٩) : الحاء افتتاح اسمه: حميد وحنّان وحليم وحكيم، والميم افتتاح اسمه:
ملك ومجيد ومنّان ومتكبر ومصور. [.....]
كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
«١»،
جعفر الصادق: هو نهر في الجنّة «٢».
وَالْقَلَمِ وهو الذي كتب به الذكر، وهو قلم من نور ما بين السماء والأرض ويقال: لمّا خلق الله تعالى القلم وهو أوّل ما خلقه نظر إليه فانشقّ نصفين، ثمّ قال: اجر، فقال: يا ربّ بم أجري، فقال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك.
قال عطا: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت، كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أي بني اتق الله واعلم أنّك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ فقال: اكتب العلم «٣» وقال: فجرى القلم في تلك الساعة وما هو كائن إلى الأبد» [٢] «٤».
وحكي أنّ ابن الزيّات دخل على بعض الخلفاء فوجده مغموما، وقال له: روّح عني يا ابن الزيّات، فأنشأ يقول:
| اللهم فضل والقضاء غالب | وكان الخطّ في اللوح |
| انتظر الروح وأسبابه | أيئس ما كنت في الروح «٥» |
وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه فلم أراد إخلال هذا الكتاب عن تدبر فصوصه؟
فقال ابن هيثم: من جلالة القلم أنّه لم يكتب لله تعالى كتاب إلّا به لذلك أقسم الله تعالى به. وقيل: الأقلام مطايا الفطن ورسل الكرام.
وقيل: القلم الظلم الأكبر. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان وبيان بنان، وفضل بيان البنان أنّ ما تثبته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام.
وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم وفيه يقول شاعرهم:
(٢) زاد المسير: ٨/ ٦٥.
(٣) في المصدر: القدر.
(٤) السنن الكبرى: ٩/ ٣.
(٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٥/ ١٦٥.
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت... له الرقاب ودانت دون حذره الأمم
فالموت والموت لا شيء يغالبه... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ برئت... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم «١»
وللصنوبري:
قلم من القصب الضعيف الأجوف... أمضى من الرمح الطويل الأثيف
ومن النصال إذا بدت لقيتها... ومن المهنّد للصقال المرهف «٢»
وأشدّ إقداما من الليث الذي... يكوي القلوب إذا بدا في الموقف
أنشد أبو القيّم السدوني، قال: أنشدني عبد السميع الهاشمي، قال: أنشدني ابن صفون لأبي تمّام في معناه:
ولضربة من كاتب في بيانه... أمضى وأبلغ من رقيق حسام
قوم إذا عزموا عداوة حاسد... سفكوا الدماء بأسنّة الأقلام
وللبحتري:
قوم إذا أجدوا الأقلام عن غضب... ثمّ استمدّوا بها ماء المنيّات
نالوا بها من أعاديهم وأن كثروا... ما لا ينالوا على المشرفيات
وقال آخر:
ما السيف غضبا يضيء رونقه... أمضى على النائبات من قلمه
ولأبن الرومي:
في كفّه قلم ناهيك من قلم... نبلا وناهيك من كفّ به اتّشحا
يمحو ويثبت أرزاق العباد به... فما المقادير إلّا ما وحى ومحا
قال: وأنشد بعضهم في وصفه:
وأخرس ينطق بالمحكمات... وجثمانه صامت أجوف
كلّه ينطق في جفنه... وبالثام منطقه يعرف
والآخر في وصفه:
نحف الشوى بعد ما على أم رأسه... ويحفى ويقوى عدوه حين يقطع
(٢) المرهف: النصل الرقيق (لسان العرب ١٢/ ٩٩).
| لجّ ظلاما في نهار لسانه | ويفهم عمّن قال ما ليس يسمع |
| اخذه وما شجرات نابتات بفقره | إذا قطعت حارت مطايا الأصابع |
| لهن بكاء العاشقين ولونهم | سوى أيّها يبكن سود المدامع |
هذا هو البيت الأول للبيتين التاليين.
| يناط نحدّه الأفراد طرّا | يمحي بعض خلق أو ممات |
| بمشيه حيّة وبلون جان | وجرم متيم وشيما الطيبات «١» |
جمع الكتبة ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ يعني أنّك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله عليك بالنبوّة. وقيل: بعصمة ربّك.
وقيل: هو كما يقال: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربّك كقولهم: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أي والحمد لك. وقال لبيد:
| وأفردت في الدنيا بفقد عشيرتي | وفارقني جار بأربد نافع «٢» |
وقال النابغة:
| لم يحرموا حسن الغداء وأمّهم | طفحت عليك بناتق مذكار «٣» |
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ غير مقطوع ولا منقوص من قولهم: حبل منين إذا كان غير متين.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم، وقال الحسن: كان خلقه آداب القرآن،
ونقلت عائشة عن خلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ورضي عنها فقالت: كان خلقه القرآن.
وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، وقال جنيد: سمي خلقه عظيما لأنّه لم يكن له همّة سوى الله.
وقال الواسطي: لأنّه جاد بالكونين عوضا عن الحقّ. وقيل: لأنّه عاشرهم بخلقه وزايلهم
(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٦ مورد الآية.
(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٦.
بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وأوصى بعض الحكماء رجلا فقال: عليك بالحقّ مع الخلق والصدق مع الحقّ. وقيل: لأنّه امتثل بالدنيا لله تعالى إياه بقوله: خُذِ الْعَفْوَ «١» الآية. وقيل: عظم له خلقه حيث صغّر الألوان في عينه ليعرف لهذه مكونها.
وقيل: سمّي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه تدلّ عليه ما
أخبرنا أبو القيّم الحسن ابن محمد المفسّر، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار، حدّثنا ابن أبي الرما حدّثنا الدراوردي، عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» [٣] «٢».
وقال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» [٤] «٣».
أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفرابي جد أبو العباس الأصم، حدّثنا ابن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب، وأخبرنا الليث عن عمر بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار» [٥] «٤».
قال: وأخبرنا أحمد بن أبي الفرابي، أخبرنا منصور بن محمد السرخسي، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة عن القاسم وأبي قرة قال: سمعت عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن» [٦] «٥».
أخبرنا أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد ابن جعفر العماني، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثني أبي، حدّثنا عليّ بن موسى الرضا حدّثنا أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه قال: قال رسول الله:
«عليكم بحسن الخلق فإنّ حسن الخلق في الجنّة لا محالة، وإياكم وسوء الخلق فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة» [٧] «٦».
أخبرنا ابن فنجويّه حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدّثنا سمعان عن ابن الجارود
(٢) السنن الكبرى: ١٠/ ١٩٢.
(٣) الجامع الصغير: ١/ ٥١.
(٤) مسند أحمد: ٦/ ٦٤. [.....]
(٥) مسند أحمد: ٦/ ٤٤٦.
(٦) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٨٧.
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي
نظير الساعدي