قال تعالى : كذلك العذابُ أي : مثل ذلك العذاب الذي ذكرناه في حق أصحاب الجنة هو عذاب الدنيا لمَن تخالف أمرنا، ولم يشكر نِعمنا، ولَعذابُ الآخرة أكبرُ ؛ أعظم منه وأشد، لو كانوا يعلمون أنه أكبر لاحترزوا عما يؤديهم إليه.
قال الطيبي : قال الإمام أي الفخر : المقصود من القصة أنه تعالى قال : أن كان ذا مال وبنين إِذا تُتلى عليه آياتنا قال. . . الخ ؛ أي : لأجل أن أعطاه الله المال والبنين كفر بالله، إنما أعطاه ذلك للابتلاء، فإذا صرفه إلى الكفر دمّر الله عليه ؛ لأنّ أصحاب الجنة لَمَّا أَتوا بهذا القدر اليسير من المعصية، دمَّر الله على جنتهم، فكيف حال مَن عاند الرسولَ، وأصرّ على الكفر والمعصية ؟ أو : لأنَّ أصحاب الجنة خرجوا لينتفعوا بالجنة، ويمنعوا الفقراء منها، فقلب الله عليهم القضية، فكذا أهل مكة، حَردُوا إلى بدر أرادوا الكيد بمحمد وأصحابه صلوات الله عليه فأخلف الله ظنّهم، فقُتلوا وأُسروا. ه.
الإشارة : مَن كان يفعل الإحسان، ويُوسع في العطاء، ثم قبض يده، فإنَّ الله يقبض فيضه عنه، كما قبض هو إحسانه عن عباده، فما دام يُوسّع فإنَّ الله يُوسّع عليه، فإذا قبض قبض الله عنه، سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [ الأنعام : ١٣٩ ]، وكذلك مَن خالف عادة أسلافه في العطاء وشدّ يده ؛ فإنَّ الله يُخالف عنه ما كان يفعل مع أسلافه، من فَيْض الأرزاق الحسية أو المعنوية، فإن تاب ورجع إلى فعل ما كان عليه أسلافه ؛ أعاد الله عليه إحسانه، كما فعل بأصحاب الجنة حين تابوا، وهذا صريح الآية، وتَصْدق أيضاً بمَن كان يُنفق من سعة علومه ومواهبه، ثم قبض ذلك من غير عذر، فإنَّ الله تعالى يقبض عنه زيادة المواهب، وربما يطوف على باطنه طائف من الله، فيُصبح خالياً من ثمار المواهب، حتى يتوب ويرجع إلى ما كان عليه، وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي