والباء في قوله : بأيِّكم المفتونُ قيل : زائدة، أي : تُبصرون أيكم المفتون، أي : المجنون، وقيل : غير زائدة، أي : بأيكم الفتنة، فالمفتون مصدر، كقولهم : ما لك معقول، أي : عقل، وقيل : الباء بمعنى " في "، أي : في أي فريق منكم المفتون، هل في فريق المؤمنين أم المشركين ؟ والآية تعريض بأبي جهل، والوليد بن المغيرة، وأضرابهما، وتهديد، كقوله تعالى : سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ( ٢٦ ) [ القمر : ٢٦ ].
إن ربك هو أعلم بمَن ضَلّ عن طريقه الموصلة إليه، وهو أعلم بالمهتدين إليها، السائرين فيها، حتى وصلوا إلى حضرة قدسه، فلا تُطع أيها المتوجّه المكذّبين لهذه الطريق، ودُّوا لو تلينون إليهم، وتشاركونهم فيما هم فيه من الحظوظ، فيميلون إليكم، طمعاً فيكم أن يصرفوكم عن طريق الجد والاجتهاد، ولا تُطع كل حلاّف مهين، قال القشيري : مّهين : هو الذي سقط من عيننا، فأقمناه بالبُعد عنا، همّاز مشاء بنميم، مُعذَّب بالوقيعة في أوليائنا. هـ.
قال بعضهم : بُحث عن النمَّام فلم يوجد إلا ابن الزنا، واستدل بالآية في قوله : بعد ذلك زنيم . وقوله تعالى : منَّاعٍ للخير ، وضده من أخلاق الصوفية، وهو أن يكون وصّالاً للخير لعباد الله، حسًّا ومعنىً، معتد أثيم وضده : كثير الإحسان والطاعة، عُتل وضده : سهل لين، بعد ذلك زنيم أي : لقيط، لا أب له، وكل مَن لا شيخ له يصلح للتربية فهو لقيط، لا أب له، فلا يصلح للاقتداء كما لا يؤم الناسَ ابنُ الزنا، وقوله تعالى : أن كان ذا مال وبنين إِذا تُتلى عليه آياتنا قال... الخ. أي : إنما حمله على التكذيب طغيانه بالمال، وهذه عادته تعالى : أنَّ المترفين لا ينالون من طريق السابقين شيئاً إلاَّ النادر. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي