ﮨﮩﮪﮫ

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) أي: في حياة راضية، يقال: عاش وحيا بمعنى واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (رَاضِيَةٍ) بمعنى: مرضية معناه، أن نفسه في حياة ترضى بها؛ كقوله: (مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ)، أي: مدفوق، ومثله في الكلام كثير.
ويجوز أن يكون المراد: نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم، كما وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها، فجائز مثله في الجنة رضاء واستبشارًا، أي: على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء، كما يضاف الغرور إلى الدنيا، وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير، يكون ذلك غرورًا من نفسها.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: مرتفعة، على ما يستحب في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الجنة: اسم لروضة ذات أشجار؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها، وهذا كما قال: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) من غير ذكر الأشجار؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار.
والثالث: يكون معنى العالية، أي: عظيمة القدر والخطر مرتفعة، وقد يوصف الشيء الرفع بالعلو، واللَّه أعلم.
ثم قوله - تعالى -: (قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) أي: في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها، وبعيدة لمن لا يريد قطفها.
وقيل: (دَانِيَةٌ) ينالها القاعد كما ينالها القائم.
وقيل: ثمارها دانية، أي: لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) تأويله أن يقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفًا في أيام الآخرة، وسلف الرجل لآخر هو أن يعطيه قرضًا؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفًا ورأس مال، ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف.

صفحة رقم 182

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية