ﰒﰓﰔﰕﰖﰗ

فصل في تعلق الآية بما بعدها


لما قال المستهزئون : إن دخل هؤلاء الجنَّة كما يقولُ محمدٌ فلندخلنَّها قبلهم، أجابهم الله - تعالى - بقوله : كَلاَّ لا يدخلونها، ثم ابتدأ فقال : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ أي : أنهم يعلمون أنهم مخلوقون من نُطفةٍ، ثم من علقة، ثم كما خلق سائر جنسهم، فليس لهم فضلٌ يستوجبون به الجنة، وإنما يستوجب بالإيمان، والعمل الصالح، ورحمة الله تعالى.
وقيل : كانوا يستهزئون بفقراء المسلمينَ ويتكبرون عليهم، فقال : إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِّمَّا يَعْلَمُونَ ، أي : من القذر، فلا يليقُ بهم هذا التكبرُ.
وقال قتادة في هذه الآيةِ : إنَّما خلقت يا ابن آدم من قذرٍ فاتَّقِ اللَّهَ١.
وروي أنَّ مطرف بن عبد الله بن الشِّخيرِ، رأى المهلَّب بن أبي صفرة يتبختر في مطرف خَزّ وجُبة خَزّ، فقال له : يا عبد الله، ما هذه المشية التي يبغضها الله ؟.
فقال له : أتعرفني، قال : نعم، أوّلك نطفةٌ مذرةٌ، وآخرك جيفةٌ قذرةٌ، وأنت تحمل العذرةَ، فمضى المهلَّب وترك مشيته٢.
قال ابن الخطيب٣ : ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً :
أحدها : لما احتج على صحة البعث دل على أنهم كانوا منكرين للبعث، فكأنه قيل لهم : كلا إنكم منكرون للبعث فمن أين تطمعون بدخولِ الجنَّة.
وثانيها : أنَّ المستهزئين كانوا يستحقرون المؤمنين - كما تقدّم - فقال تعالى : إنَّ هؤلاء المستهزئين مخلوقون مما خلقوا، فكيف يليق بهم هذا الاحتقار ؟.
وثالثها : أنَّهم مخلوقون من هذه الأشياء المستقذرة، ولم يتصفوا بالإيمانِ، والمعرفةِ، فكيف يليق بالحكمة إدخالهم الجنة ؟.
وقيل : معنى قوله : خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ ، أي : مراحل ما يعلمون وهو الأمر والنَّهي والثوابُ والعقابُ.
كقول الأعشى :[ المتقارب ]
٤٨٧٣ - أأزْمَعْتَ من آلِ لَيْلَى ابْتِكَارا*** وشَطَّتْ على ذِي هَوَى أنْ تُزَارَا٤
أي : من أجل ليلى.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٤٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٢١) وعزاه إلى عبد بن حميد..
٢ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٩١)..
٣ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/١١٧..
٤ ينظر القرطبي ١٨/١٩١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية